ليس بمستغرب على رفعت السعيد محاولة تشويه الحقائق من أجل أن يوهم القارئ بأن ما يقدمه هو الصحيح والصواب، وليخفي حقائق أخرى تمس الطرف الذي ينتسب له وهو الفكر الشيوعي.
فقد طالعنا رفعت السعيد من خلال صحيفة "المصري اليوم" بموضوع (الإخوان والتمويل الأجنبي.. الوثائق) في عددها الصادر صباح السبت 1/9/2012م، محاولاً قص بعض الكلمات التي تسير على نسق قول الله تعالى: (ولا تقربوا الصلاة) ليوهم القارئ بأن ما يقدمه صحيحًا وصوابًا.
لكن المدهش أن رفعت السعيد كان قد نشر هذا المقال من قبل في جريدة الأهرام (السبت- العدد 43853 السنة 131- 30 ديسمبر2006 الموافق 10 من ذي الحجة 1427 هـ ) تحت عنوان حسن البنا يتلقى أموالاً من الألمان.
لقد تكلم السيد رفعت السعيد واستشهد بكلمات لحسن رفعت باشا، ومن المعروف أن حسن رفعت كان خادمًا للإنجليز، فيصفه الكاتب عبد العظيم رمضان في كتابه (اغتيال أمين عثمان) متحدثًا عن حسين توفيق: وكانت قائمة الاغتيالات لديهم تتضمن: محمود فهمي النقراشي ومكرم عبيد الذي اشترك في حكومة 4 فبراير, وعمر فتحي وعطا الله حارسي الملك فاروق, وحسن رفعت والغزالي جواسيس الإنجليز في البوليس المصري وأمين عثمان الوسيط الذي يفاوض الوفد باسم الإنجليز. أهـ
هذا ناهيك عن أن رفعت السعيد اقتطع من الحوار الذي بين حسن رفعت وسمارت ليحاول إلصاق التهمة بالإخوان، خاصةً أن الحوار الذي جرى بين الطرفين كان للحديث عن التنافس بين الإخوان والوفد، وزيادة قوة الإخوان في مواجهة الوفد، بالإضافة لتصدي الإخوان للحركة الشيوعية(التي ينتسب لها رفعت السعيد)، ونحن ننشر للقارئ الحوار كاملاً من خلال كتاب محسن محمد:
وقد حاولت السير والتر سمارت المستشار الشرقي للسفارة البريطانية أن يوقع بين حكومة النقراشي والإخوان، فذهب إلى حسن رفعت باشا وكيل وزارة الداخلية وقال له: "يتحرق حسن البنا شوقًا ليحل محل النحاس باشا والوفد".
رد حسن رفعت قائلاً: "لا يمكن أن نعارض أمرًا يمثل التطور الطبيعي" وأضاف: "يتعاون الإخوان المسلمين معي للتقليل في حجم المظاهرات التي ستجرى غدًا بشأن قضية فلسطين في ذكرى وعد بلفور".
لقد صاروا الآن أقوياء للغاية كما أن البنا قائد ملتزم تمامًا، وهو خطيب مفوه، ولديه قدرة عالية على التنظيم.
قال والتر سمارت: "من الخطر مساندة الإخوان واستخدامهم كسلاح حتى لا يأتي اليوم تجد فيه هذه الحكومة، وكل الحكومات، أن التعامل معهم صار أمرًا عسيرًا، فهم جماعة تعمل في الظلام ومعادية للأجانب، واستخدامهم كسلاح يؤدي بالتأكيد إلى نمو قوتهم، وبالتالي تصبح السيطرة عليهم مستحيلاً، وإني أدرك بالطبع زيادة قوتهم، ولكني متمسك برأيي في أن أنشطتهم يمكن أن تؤدي إلى قيام حركة معادية للأقباط.
رد حسن رفعت قائلاً: "لا أعتقد بوجود خطر من وراء ذلك فحسن البنا حريص للغاية على عدم السماح بمثل هذه الأعمال".
أصرَّ سمارت على موقفه وقال: "لازلت متمسكًا تمامًا برأيي في أن أي تشجيع للإخوان المسلمين يعدُّ من الأمور الخطيرة". أهـ
هذا ولقد بحثنا عن عن ويلهام ستلبوجن وعن مكتب الدعاية النازية بمصر فلم نعثر على شيء فنرجو من السيد رفعت أن يظهر لنا عما لديه من وثائق بالصور.
أما عن لقاء حسن البنا بفيليب أيرلاند (أيضًا من خلال ما كتبه محسن محمد) تبين أن رفعت السعيد فسر بعض الكلمات على هواه من أن البنا قال لفيليب: إن مواجهة الشيوعية تتطلب تحالفًا ومبالغ طائلة، ففسرها مباشرة دون أية تمحيص أن الإخوان أخذوا مالاً، ونحن هنا أيضًا نعرض الحوار كاملاً ليتبين للقارئ التدليس الذي مارسه رفعت السعيد، فيقول محسن محمد:
وقال حسن البنا في تصريحات علنية: إن الحل الوحيد لتلافي أخطار الفكر الشيوعي الوافد هو الاتجاه إلى الصناعات الكبرى وتحديد الملكية الزراعية وزيادة الإنتاج والعودة إلى تعاليم الإسلام الحنيف.
وقال: إن الأساليب البوليسية لمكافحة الشيوعية لن تجدي طلب المرشد العام.
للمرة الثانية مقابلة فيليب أيرلاند السكرتير الأول للسفارة الأمريكية بالقاهرة، تم اللقاء بين المرشد العام والسكرتير السفارة الأمريكية في بيت أيرلاند وحضره محمد الحلوجي من أعضاء الجماعة والدكتور محمود عساف مدير إعلانات صحيفة الإخوان.
احتسى المرشد زجاجة الكوكاكولا- كما قال من حضر الاجتماع الذي كتبه أيرلاند-ثم قال:
- الشيوعية في الشرق الأوسط خطر داهم على جميع الشعوب، والإخوان المسلمين يحاربون الشيوعية بكل الوسائل الممكنة، ومن الطبيعة أن يترك أعضاء الجماعة عملهم الأصلي لدخول الخلايا الشيوعية للحصول على المعلومات وعندما يفعلون ذلك فإنهم يتركون وظائفهم، وبذلك يفقدون مرتباتهم وإذا أمكن تعينهم على أساس أنهم محققون وباحثون فإن هذه المشكلة يسهل حلها، واقترح الشيخ البنا إنشاء مكتب مستقل مشترك بين الإخوان والحكومة الأمريكية لمحاربة الشيوعية.
- وفهم أيرلاند من ذلك أن تتولى الولايات المتحدة إدارة المكتب بينما يكون أعضاؤه- في أغلب الأحيان– من الإخوان.
- أبدى المرشد العام تحفظًا واحدًا، قال: أمريكا تؤيد أهداف الصهيونية ولذلك يجب أن تكون للإخوان حرية الاعتراض على أمريكا في هذه النقطة.
- دارت مناقشات بين أيرلاند والشيخ الذي أحس أنه أعطى انطباعًا بأنه والجماعة اندفعوا وراء المعونات الأمريكية- كما يقول أيرلاند- فقال الشيخ:
- الجماعة لا ترغب في الحصول على سنت واحد من المال الأمريكي، وسيكون المشروع بأكمله في يد السفارة الأمريكية ويسعد الإخوان إمداد السفارة بالأشخاص المناسبين بالقدر الذي تراه السفارة ضروريًّا.
- رفض أيرلاند قائلاً: لن ترحب الحكومة الأمريكية بمثل هذا العرض. إن معوناتنا لا تقدم للمنظمات الخاصة أو المنظمات شبه العلنية، ولكنها تقدم فقط للحكومات كما هو الحال بالنسبة لليونان وتركيا.
والمفاجأة أننا وجدنا وثيقة في نفس الكتاب الذي استعان به رفعت السعيد، كتبها السير رونالد كامبل توضح تمويل الإخوان وتعد لطمة على وجه رفعت السعيد؛ حيث إنه لم يرد ذكرها حتى لا توضح كذبه، فيقول السير رونالد كامبل: "لا تتعرض الجماعة حاليًّا لنفوذ خارجي سواءً كان شيوعيًّا أو فاشيًّا ولكنها تمثل أيدلوجية ذات طبيعة سياسية- دينية، تقتضي بالضرورة تصنيفها كمنظمة سياسية متطرفة".
ويتعين أن نذكر قبل الحرب، كان هناك من الأسباب ما يدعو للشك في تلقي الإخوان المسلمين أموالاً من مصادر ألمانية أو إيطالية أو منهما معًا، إن الإخوان المسلمين جماعة مصرية خالصة، ولكن نجاحها الباهر في البلاد في السنوات الأخيرة شجع قادتها على مد أنشطتها إلى الدول الإسلامية المجاورة وخاصة فلسطين وسوريا والسودان.
ويتعقب الإنجليز الإخوان المسلمين في الدول العربية، سأل الوزير البريطاني المفوض في عمان الملك عبد الله عاهل الأردن عن لقائه بعبد الحكيم عابدين سكرتير عام الإخوان فقال صاحب الجلالة: الجماعة تستحق الإعجاب فهي تدعو الجيل الجديد لواجبه الديني, وتحد من انتشار الشيوعية.
- قال الوزير المفوض: كان حقًا ما تقول يا صاحب الجلالة لو أن الجماعة اقتصرت على واجبها الديني ولكن التقارير تقول إن دوافع مؤسسيها سياسية بقدر ما هي دينية (محسن محمد: من قتل حسن البنا ص 188أهـ).
هذا رد فقط على ما كتبه رفعت السعيد، الذي يحاول جاهدًا أن يشويه الحقيقة من أن تمويل الإخوان هو من جيوبهم وجيوب أعضاءهم، محاولاً تحريف التاريخ ليغض الطرف عن الأفعال التي قام بها الشيوعيين بمصر(والتي ينتسب لهم رفعت السعيد)؛ حيث كانوا أول من اعترفوا بإسرائيل بعد أمريكا وروسيا عام 1948م، وقد ذكرها الدكتور رؤوف عباس في كتابه أوراق هنري كوريل والحركة الشيوعية المصرية، والتي نشرته دار سينا عام 1988م كثير عن تمويل وأفعال وممارسات الشيوعيين، وهذا ما سنذكره في مقال آخر من خلال الوثائق التي خطها بيده مؤسس الشيوعية بمصر هنري كوريل ونشرها د. رؤوف عباس.
--------------
باحث بمركز الدراسات التاريخية (إخوان ويكي)