تشهد الساحة السياسية المصرية الآن موجة عنيفة ومنظمة وغير حميدة وغريبة على التقاليد والقيم المصرية ولا تصب في صالح مصر ولا مستقبلها، لمهاجمة وتشويه الإخوان المسلمين وكل من ينتمي إليهم وكل أفعالهم، وتعدى الأمر للدعوة للخروج على اختيار الشعب لهم أو لكل ما هو إسلامي، وفي قرار حل مجلس الشعب خير دليل على ذلك.
كما تمثل ذلك أيضًا في الدعوة الفاشلة للخروج على الرئيس المنتخب ومن قبل ذلك بحملة إعلامية ممنهجة للنيل من شخص الرئيس والحكومة وكل من يختاره الرئيس أو من يبدي تعاونًا أو تعاطفًا مع الرئيس وكذا الرفض أو التهوين من أي قرار يتخذه الرئيس أو الحكومة.
بداية أؤكد أن حق الاعتراض والنقد مكفول للجميع وهذا حق دستوري وقانوني ولا منَّة لأحد على أحد فيه وهو أحد مكاسب الثورة المباركة، ولكن هناك فرق كبير بين النقد البناء والنصيحة الخالصة والتواصي بالحق من أجل صالح البلاد والعباد، وبين التطاول والتجريح والسب والقذف، ووصل الأمر في بعض الأحيان لتجاوز كل الخطوط الحمراء المتعارف والمتفق عليها بين جميع الأسوياء في العالم بأسره.
وبكل أسف طغى عدم رضى البعض عن سياسات الإخوان ومواقفهم ومعارضتهم بل وكرههم لهم، حد المعقول والمقبول وطغى حتى على حبهم لمصر وشعبها وحب الخير لهم، فكان منطق البعض أنه لا يريد الإخوان ولا الخير الذي يأتي من ورائهم وإن كانت النتيجة تدهور مصر وتأخرها.
والسؤال الجوهري هنا؛ هل فرض الإخوان أنفسهم على الشعب أو أرغموه على انتخابهم واختيار مرشحيهم من المنتمين للجماعة ومن غير المنتمين لها أم أن اختيار الشعب المصري للإخوان جاء بإرادة حرة ونزيهة؟!
إن ما يحدث من البعض هو التفاف على الإرادة الشعبية ومحاولة لتسفيهها وفرض الوصاية عليها، كما جاء في تصريح لمستشارة شهيرة بدعوة الجماهير للنزول للتظاهر وعدم الاعتداد باختيار الجماهير وحماية مصر من اختيارات شعبها، وقالت نصًّا في تدوينة على "تويتر": "انزل يا مصري احمي بلدك من جماعات الظلام، ولا يغرنك كلام على شاكلة (أصلهم منتخبين).. حتى لو منتخبين يجب أن تحمي مصر من اختيار الجهلاء"، فماذا يمكن تسمية مثل هذه الدعوات للخروج على الشرعية وبخاصة عندما تصدر عن قضاة؟!
إن الإخوان المسلمين جزء أصيل من الشعب المصري ويهتمون بشؤونه وبهمومه وهم في القلب منه لا يتقدمون عليه ولا يتأخرون عنه، وهذا ما عبر عنه قيادات الإخوان ورموزهم مرارًا وتكرارًا، ولكن البعض يصر على صُنع فزاعات من نسج خياله، سواء لمصلحته الشخصية أو خدمة لآخرين معادين للإخوان أو تكسبًا من جهات كارهة ليس للإخوان ولكن لتقدم مصر واستعادتها لمكانتها.
إن معارضة الإخوان وسياستهم ليست عيبًا أو حرامًا أو منكرًا من القول وزورًا، ولكن حين يتحول النقد لهدم للقيم والتقاليد في المجتمع، والدعوة لهدم المؤسسات المنتخبة فهذا خطر وخطل كبير لا يمكن قبوله من أي مواطن مصري محب لمصر.
إن محاولة بناء جسور وحواجز بين الإخوان وبين الشعب فاشلة وفشلت من قبل وستفشل بإذن الله؛ ذلك لأن الإخوان متجذرين في المجتمع بفضل الله يشاركونه في كل صغيرة وكبيرة وليسوا كائنات فضائية كل علاقتهم بالمجتمع مقتصرة على النت والفضائيات ولا علاقة لها بالواقع والمجتمع وآماله وآلامه.
وفي محاولة ابتزاز واضحة المعالم أطلق البعض مصطلح "الأخونة" على بعض القرارات التي صدرت مؤخرًا، وكان منها تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية، فتعالت الأصوات بأن هذه "أخونة" للإعلام والسيطرة عليه، والعجيب أن يردد هذا الكلام بعض الصحفيين، وتناسى هؤلاء أنه لا يوجد في المعينين واحدٌ ينتمي للإخوان، وأن المعينين من أبناء المؤسسات الصحفية، وأن المعيار كان الكفاءة والقدرة، والأعجب أن هذه الأصوات الحريصة على حرية الإعلام والتعبير والتي اعتبرت أن هذه الخطوات معوقة للحريات؛ لم ينبس لها ببنت شفة عندما كانت التعيينات تصدر بقرارات عليا من صفوت الشريف وأمن الدولة، بل ولا حتى بعد الثورة عندما أصدر الدكتور يحيى الجمل قرارات مماثلة، فما الذي تغير إذًا؟
وهل الإخوان والانتماء لهم سبَّة لمن يتولى مهمة رسمية في مصر؟ وألم يكفِ هؤلاء ما تعرض له الإخوان من ظلم واضطهاد وإبعاد لعشرات السنين، وهو ما عبر عنه الدكتور عزيز صدقي رئيس وزراء مصر الأسبق حين قال "نحن نعتذر لشعب مصر أن حرمناه من جهود الإخوان المسلمين لسنين طويلة".. بل أين كان هؤلاء عندما كان الإخوان يضحُّون بحريتهم وبأموالهم بل وبأنفسهم في سبيل نهضة مصر وتحررها من قبضة النظام السابق؟ لا شك أنه كان هناك كثير من الوطنيين المشاركين للإخوان في هذه الجهود، ولكن الأكيد أن الكثير ممن يتخذون من فزاعة "الأخونة" قميص عثمان لم يبذلوا ويضحوا كما بذل الإخوان وضحوا على مدى السنين.
ولا شك في أن هذا كله يأتي ضمن منظومة استباقية انتهجتها بعض وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام السابق لتشويه وشيطنة الإخوان خصوصًا والإسلاميين عمومًا لمحاولة تقليص فوزهم في أي انتخابات مقبلة.
إن منهج التربص والترصد وتصيد الأخطاء لا يمكن أن يبنى أمة، ولا ينهض بمستقبل، ولا يستثمر قدرات الوطن وأبنائه في البناء وتحقيق مكتسبات وأهداف الثورة التي ضحَّى الكثير بأرواحهم من أجلها.
إن منطق الجماعة الوطنية المصرية في التعبير والاختلاف يجب أن يقوم على الشراكة الوطنية المسئولة وتقدير الأمانة والمسئولية الملقاة على عاتق الجميع، وتقدير أننا جميعًا شركاء في مسئولية بناء الوطن ونهضته. كما يجب أن تتغير لغة الخطاب وأن يحذف منها نهائيًّا التخوين والإقصاء والعنف اللفظي قبل المعنوي وإقامة جسور التواصل بين الجميع وحسن إدارة الاختلاف وتعدد الرؤى، فالخطاب الذي يسوده التراشق والاشتباك والابتذال، سيؤدي للانقسام والاستقطاب والفرقة التي تمهد للفوضى وتعطيل أي عملية بناء أو نهوض.إن المصلحة الحقيقية لمصر تكمن في معارضة حقيقية قوية وفاعلة، وفي قوى حزبية وسياسية واقعية لا قوى معلبة وقاصرة على الفضائيات والنت، وبكل أسف تكره الإخوان أكثر من حبها لمصر، وتتمنى الفشل لهم حتى تحصد نجاحًا وهميًّا.
نريد قوى سياسية وحزبية فاعلة تمارس العمل الجاد والنقد البنَّاء لغيرها ولذاتها لأن ذلك سر قوتها، لا أن تعتقد أن في ممارستها الهجوم على غيرها نجاحها وفلاحها وبقاءها.