م. ف. ن- المنوفية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تحية طيبة وبعد،،
سألت الله عز وجل أن يهب لى حلا لمشكلتى؛ ولذلك أبعث إليكم اليوم بهذه الرسالة، لعل الله أن يستخدمكم فى إيجاد حل لها.. أنا أم لطفلتين أكبرهما 9 سنوات، والأخرى 7 سنوات، لقد طلبت الانفصال عن زوجي لكثرة الخلافات بيننا؛ حيث أصبحت لا أطيق العيش معه.
وتم فعلاً الطلاق منذ عامين، وأنا حاليًّا من يربي البنتين، وأحاول جاهدة أن أربيهما على أخلاق الإسلام وأن يشبا على التربية الإسلامية الصحيحة، فأنا- والحمد لله- أخت ملتزمة فى صفوف الدعوة، ومشكلتى تتلخص فى أن ابنتيّ تذهبان لزيارة والدهما لمدة يومين كل أسبوع، وللأسف الشديد أبوهما يتصرف أمامهما بتصرفات غير أخلاقية؛ مما يشعرنى بأنه سوف يهدم كل القيم والأخلاق التى أحاول أن أبنيها في ابنتيّ، وكمثال: لقد أخذ البنتين فى رحلة إلى المصيف ومعه امرأة غريبة وعرفت من البنتين أنها امرأة متزوجة من رجل آخر، وتشاهدها البنتان وهى تدخن السجار وهى تضحك وتمزح مع أبيهما بدون رباط شرعى بينهما.. وللأسف فإن أباهما يحاول أن يوصل لبنتيّ أن هذه التصرفات عادية وأن هذه المرأة تدخن السجائر لأنها "متنرفزة".. وكأن تدخين السجائر شيء عادي، علمًا بأن هذه المرأة لم تبت معهم فى نفس المنزل، وكمثال آخر: أحيانًا يتركهما مع أمه.. وللأسف حدث أكثر من موقف من أمه تتعلم منه بنتاي الكذب، لأن أمه لديها هذا الداء.
وعند عودة البنتين أحاول أن أبني فيهما مرةً أخرى ما هدمه أبوهما وأنا الآن في حيرةٍ من أمري، فأنا لا يجوز لي أن أحرم ابنتي من أبيهما، ولكن في نفس الوقت حريصة على أن تشبا على التربية الإسلامية الصحيحة، فهل هما فى سن مناسب كى أتركهما لتريا بأنفسهما جو الالتزام معي وتشاهدا جو الابتعاد عن الله مع أبيهما وتختارا بأنفسهما؟ وكيف أفهمهما أخطاء أبيهما بدون أن أشوه لهما صورة أبيهما فى ذهنيهما؟ كيف أربي ابنتيّ وأكبرهما تقول لى إن أباها يعرف نساء غير محترمة؟ وكيف أبنى ما يهدمه أبوهما؟ وكنت أريد طريقة تسمح لى بالاتصال المباشر مع حضراتكم.. وجزاكم الله خيرًا.
تجيب عنها أسماء صقر الاستشاري الاجتماعي في "إخوان أون لاين":
أولاً: أود منك أن تفخري بجهدك وجهادك وبتربيتك صغيرتيك عبدتين لله ، لك أجر كل خطوة ستخطوانها له في المستقبل، وكل تسبيحة وكل طريق للحق ستختارانه.. انعمي بتلك النعم وافخري بتوفيق الله لك واحمديه أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا هديه سبحانه واسأليه أن يتم نعمته عليك ويقر عينيك بهما.
ثانيًا: أريدك ألا تجزعي ولا تتعجلي القلق فلايزال الطريق طويلاً.. إنك لا تربيهما وحدك كما تقولين.. كل من حولك من أقارب وإعلام والنادي والأصدقاء وغيرهم يشاركونك تربيتهما بنسب متفاوتة؛ ولكن في النهاية ستصلان إلى سن تكونان فيه كالمصفاة سيبدآن في تنقيح ذلك كله واختيار القيم التي ترسخت فيهما ونمت بصدق وعمق .. فلا تفزعي وتضغطي عليهما كل مرة يريان فيها والدهما؛ ولكن اصبري وانتظري لليوم التالي أو الذي يليه حتى تجدي موقفا سلسًا غير مباشر لتسأليهما أو لتصححي لهما.. وحاولي قدر الإمكان أن تلجئي للطرق غير المباشرة للتصحيح، باستخدام القصة أو الصورة أو تفسير القرآن أو بنزهة أو قريبة أو صديقة أو حتى أنشودة.
ثالثًا: من المهم جدا أن تؤكدي احترام الأب مع إظهار الخطأ، وأن تظهري المحاسن وتلفتي نظريهما عن المساوئ في والدهما.. وتستعيني على ذلك بالأمثلة البسيطة.. فمثلا حين تخبرك إحداهما عما فعل والدها من خطأ فلا تبرري له، ولكن أخبريها أن ما حدث خطأ، ولكن مع أبينا لا يمكننا سوى أن ندعو له أن ينتبه لهذا الخطأ وأن ننتقي الكلمات حال الحديث عنه، ثم اسأليها فورا أن تخبرك عن أمر جيد فعله وأسعدها، واسعدي به معها، وتأكدي أن تكون قد شكرته وامتنت له.. إن هدم صورة الوالد أمام بنتيه لن يعلمهما سوء ما يفعل بقدر ما سيؤذيهما الآن ومستقبلا إيذاء لن يمكن علاجه.
ميزات زوجك جديها أنت أولاً رغم كل شيء.. ثم أظهريها لبنتيك.. علميهما أن تريا الإيجابي قبل السلبي.. علميهما أن الكبار يخطئون أحيانًا ولكن مع أمي وأبي علينا أن نحبهما ونحترمهما كما هما.. ونتعلم منهما الأفضل وندعو لهما فيما سوى ذلك.
ركزي على خطأ الفعل لا الشخص وأنت توجهيهما.. استخدمي القصص بشكل مكثف جدا، خاصة قصص النماذج والأبطال التاريخية الواقعية قبل الخيالية.. تأكدي أنهما تريان وتعايشان نماذج واقعية من مربين وأقارب أو أصدقاء آبائهم صالحون ويمثلون قدوة في حياتهم.
نحن لا نريد أن نفهمها أخطاء أبيهما.. بل نريدهما أن تميزا الخطأ من الصواب عموما، وتختاران الصواب وتفضلاه وتحباه وتقتنعا به وبأصحابه.. تذكري ذلك.
إن توجيه التفكير لرفض السيئ يزيد من تركيز العقل عليه.. والمثال الأشهر هو أمر"لاتفكري الآن في كلب أبيض!!".. إن الصورة الوحيدة التي سيرسمها عقلك هو صورة كلب أبيض!!.. لذا علينا توجيه أبنائنا للحسن.. وللتركيز عليه قبل توجيههم لرفض الخطأ.. فلنعلمهم أهمية الصدق وحسنه وجزاءه قبل سوء الكذب وعاقبته.
إن فكرة أن تعايشا عندك التربية الإسلامية ثم تذهبا فتعايشا عند أبيهما عكس ذلك هو أمر واقعي وليس نموذجيا.. وإن البناء السليم لا يهدم مهما كان.. ولكن احرصي على البناء وإرساء الأساسات العقائدية والخلقية الصحيحة، ولا تركزي أن تصيدي الأخطاء بقدر ما ترسين الصواب وتجعلينه قناعة وسلوكًا.
رابعًا: لا تنسي أن الأطفال يشعرون بالذنب غالبًا بسبب انفصال والديهم.. وكثيرًا ما يفكرون أنهم هم السبب في ذلك.. لذا عليك أن تحدثيهما بين الحين والآخر وتؤكدي لهما أنكما (أمهما وأباهما ) يحبانهما أكثر من أي شيء في الدنيا.. وأنكما تريدانهما أسعد البنات.. وأنكما تراهما أفضل البنات على الإطلاق.. وهكذا بشتى الأساليب والألفاظ وفي أوقات مختلفة.
أخبري الكبرى عن سبب الانفصال بطريقة هادئة وبسيطة وهي أنكما وجدتما أنكما تختلفان كثيرا وأنه من الأفضل لكما وللبنتين أن يكون كل واحد وحده؛ ولكن الأمر الذي اتقفتما عليه هو أنكما تحبانهما بشكل غير عادي.
الأهم من ذلك كله ألا يشغلك القلق والتركيز الشديد في التربية ومحو السلبيات الناشئة عن صحبة أبيهما.. أن تمارسي دورك الأولى في الحنان المفرط والاستيعاب واللعب الكثير والاحتضان المتواصل والقبلات وكلمات الحب والتدليل والمعايشة والهدايا البسيطة والنزهات والأوقات المخصصة والمرح.
أسعد الله دنياكم وآخرتكم.