الإعلام هو عين الشعب التي يرى بها، وأذنه التي يسمع بها، ولسانه الذي يتحدث به، وإذا أصبح الإعلام كله أو بعضه هو لسان أو عين أو أذن حفنة صغيرة من الشعب على حساب أغلبيته، أو أصبح مروجًا للأكاذيب والشائعات، ومحرضًا على القتل والتدمير والفتن، وتحقير الأفراد والمؤسسات لحساب أفراد ومؤسسات أخرى فإنه يكون انحرف عن مهمته وطبيعته، وفي هذه الحالة على أهل المهنة التحرك لتصويب المسار قبل أن يتم جرجرتهم إلى المحاكم والنيابات عملاً بالقول المأثور "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".

 

من المؤكد أن غالبية الإعلاميين والصحفيين ملتزمون بالمهنية والموضوعية، لكن نفرًا قليلاً منهم يمثلون شذوذًا على القاعدة، وهم الذين شوهوا سمعة الإعلام والصحافة بخروجهم على القانون وميثاق الشرف والقواعد المهنية والأعراف المجتمعية، سعيًا إلى بطولةٍ زائفةٍ أو ربح سريع على حساب الحق والحقيقة والمهنة والمهنية، ومن المهم هنا التوضيح أن ليس كل من يقدم للمحاكم والنيابات مجرم، فكم شاهدنا صحفيين وإعلاميين محترمين يقدمون إلى القضاء بتهمٍ فضفاضة الغرض منها هو إسكاتهم وقصف أقلامهم، وهم الذين تصدوا للظلم والطغيان وحاربوا الفساد والتخريب ومهدوا لثورة 25 يناير.

 

الصحفيون والإعلاميون هم بشر يخطئون ويصيبون، وحين يصيبون يكافئون، وحين يخطئون يعاقبون، ولكن العقاب هنا يراعي طبيعة العمل الذي يستهدف الصالح العام، والقانون يسمح بنقد الشخصيات العامة من وزراء ومحافظين وحتى رئيس الجمهورية، ولكن هناك فارق بين النقد المباح والسب والقذف المجرمين قانونًا، وقد شهدنا في مصر عقب ثورة 25 يناير حالة من الفلتان الإعلامي التي هي بدورها جزء من حالة الانفلات العام في المجتمع نتيجة غياب سلطة القانون ودور الدولة وقبضتها، وهذا الانفلات الإعلامي تسبب في أذى الكثيرين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ولأن ثورة يناير فتحت عيون عموم الشعب على حقوقه وواجباته، وأيقظت فيه روح الإيجابية والمبادرة، فقد شهدنا تحركات شعبية لمواجهة حالة الانفلات الإعلامي بعد أن تقاعست الجهات المختصة بمراقبة الأداء المهني عن دورها، من هنا جاءت الوقفات الاحتجاجية أمام مدينة الإنتاج الإعلامي وتحريك البلاغات في النيابات المختلفة ضد بعض الصحفيين والإعلاميين، وهو ما اعتبره البعض هجمة على الإعلام، وكأنَّ الإعلامَ ذات مقدسة لا تمس، ورغم أنني ضد  التجاوزات التي حدثت في بعض الأحيان مثل الاعتداء على سيارة الزميل خالد صلاح رئيس تحرير (اليوم السابع)، ورغم أنني أدعو إلى عدم تجاوز نقابة الصحفيين عند الشكوى من بعض أعضائها، إلا أنني أرى أن التقاضي حق طبيعي لأي مواطن يرى أنه تعرَّض لظلمٍ أو يرى خروجًا على القانون في دولةٍ ترفع شعار سيادة القانون.

 

كل ما أطلبه من أصحاب الشكاوى والمظالم من الصحفيين هو اللجوء أولاً لنقابة الصحفيين، وللمجلس الأعلى للصحافة أولاً قبل اللجوء إلى النيابات والمحاكم، فهاتان الجهتان مخولتان قانونًا بمساءلة الصحفيين المخطئين وفقًا لقانون سلطة الصحافة ولميثاق الشرف الصحفي.

 

هذا الميثاق الذي وضعه الصحفيون المصريون بأنفسهم وتعهدوا بالالتزام به بعد معركتهم الشهيرة لإسقاط القانون 93 لسنة 1995م المغلظ للعقوبات في جرائم النشر، يشير في مقدمته بوضوح إلى أن الأسرة الصحفية المصرية تستمد كرامتها من ارتباطها بضمير الشعب، وتكتسب شرفها من ولائها للحقيقة، وتمسكها بالقيم الوطنية والأخلاقية للمجتمع المصري.

 

كما أنه يعترف في ديباجته بحق القارئ، في صحافة موضوعية، تعكس بأمانة وصدق نبض الواقع، وحركة الأحداث، وتعدد الآراء وتصون حق كل مواطن في التعقيب على ما ينشره الصحفي وعدم استغلاله في التشهير أو الابتزاز أو الافتراء أو الإساءة الشخصية.

 

ويتضمن الميثاق التزامات أساسية على الصحفيين ومنها، الالتزام بمقتضيات الشرف والأمانة والصدق بما يحفظ للمجتمع مثله وقيمه وبما لا ينتهك حقًّا من حقوق المواطن أو يمس إحدى حرياته.

 

* الالتزام بعدم الانحياز إلى الدعوات العنصرية أو المتعصبة أو المنطوية على امتهان الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن في إيمان الآخرين أو تلك الداعية إلى التمييز أو الاحتقار لأي من طوائف المجتمع.

 

* الالتزام بعدم نشر الوقائع مشوهة أو مبتورة وعدم تصويرها أو اختلاقها على نحو غير أمين.

 

* الالتزام بالتحري بدقة في توثيق المعلومات ونسبة الأقوال والأفعال إلى مصادر معلومة كلما كان ذلك متاحًا أو ممكنًا طبقًا للأصول المهنية السليمة التي تراعي حسن النية.

 

* الالتزام بعدم استخدام وسائل النشر الصحفي في اتهام المواطنين بغير سندٍ أو في استغلال حياتهم الخاصة للتشهير بهم أو تشويه سمعتهم أو لتحقيق منافع شخصية من أي نوع.

 

* كل خطأ في نشر المعلومات يلتزم ناشره بتصحيحه فور إطلاعه على الحقيقة وحق الرد والتصحيح مكفول لكل مَن يتناولهم الصحفي على ألا يتجاوز ذلك الرد أو التصحيح حدود الموضوع، وألا ينطوى على جريمة يعاقب عليها القانون أو مخالفة للاداب العامة مع الاعتراف بحق الصحفي في التعقيب.

 

* لا يجوز نشر أي إعلان تتعارض مادته مع قيم المجتمع ومبادئه وآدابه العامة أو مع رسالة الصحافة.

 

* يمتنع الصحفي عن تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة في الدعاوى الجنائية أو المدنية بطريقةٍ تستهدف التأثير على صالح التحقيق أو سير المحاكمة، ويلتزم الصحفي بعدم إبراز إخبار الجريمة وعدم نشر أسماء وصور المتهمين أو المحكوم عليهم في جرائم الأحداث.

 

* الميثاق حمَّل أيضًا الصحفيين المسئولية سواء بصورة فردية أوجماعية، رؤساء كانوا أو مرءوسين عن الحفاظ على مصداقية المهنة، وعدم التستر على الذين يسيئون إليها أو اللذين يخضعون أقلامهم للمنفعة الشخصية عن كل أشكال التجريح الشخصي والإساءة المادية أو المعنوية.

 

* لم تقتصر نصوص الميثاق على الالتزامات أو الحقوق، ولكنه أسند لنقابة الصحفيين مهمة مساءلة المخطئين من خلال لجنة تأديب نقابية تتفاوت عقوباتها بين الإنذار وحتى الشطب النهائي من جدول النقابة، وهو ما يعد حكماً بالإعدام المهني على الصحفي.

 

* يبقى أن على نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة تفعيل هذا الميثاق والتدخل السريع لمساءلة المخطئين والمتجاوزين، وتوقيع عقوبات فعلية مقنعة للرأي العام في توقيتات مناسبة حتى نتجنب المحاكم والنيابات، ونكون قد طهرنا أنفسنا بأنفسنا.