أعطي أذنك للسادة "المبدعين"، واسمع أنينهم وخوفهم المرهف على مستقبل الإبداع في الوطن بسبب صعود الإسلاميين، ستجد تمتمات وهمهمات، لن تفهم منها شيئا إلا السؤال "القديم": ما دخل الدين في الشعر أو الرواية أو الفيلم أو أو....إلخ؟.
ثم ستدخل في (تابو) إبداعي جديد يقول (إن مقاييس الفنون تختلف عن ضوابط الدين، وأن "رجال الدين" لهم دور يختلف عن دور المبدعين)، وإذ تعط لنفسك فرصة للتأمل لا شك ستتبادر إلي ذهنك عدة أسئلة:
السؤال الأول: ما الذي قدمه المبدعون من فنون حتى يخافوا عليه؟
فعلاً.. إنه سؤال فارق... فعلى مدار ثلاثين عامًا دخل عامّة المبدعين في فلك السلطة وحظيرتها، فلم يقدموا إبداعا يقاوم الاستبداد، ولا يواجه قبح الخضوع والاستسلام، ولم يفلت من الحظيرة الإبداعية الرسمية إلا أسماء قليلة للغاية، وجودهم يفضح الغالبية المتحوصلة حول السلطان، الذين برروا للطاغية طغيانه، أو عارضوه بلا أنياب، ثم كانوا أول المناصرين لأبطال الثورة بعد سقوط الطغاة!! والآن يملئون حياتنا صخبًا فارغًا، وثقافة ضحلة، ومعارضة عرجاء، وفلسفة ضلّت الطريق، إنهم الذين حوّلوا الإبداع إلى ارتزاق و(أكل عيش)، ومسحوا من ذاكرتنا رهبنة الفيلسوف الباحث عن الحقيقة، وعزوف العالم الذي يضحى بنور بصره ليضئ حياة أمته، وصدق الفنان وبساطته مع عظمة فنه وطزاجته.
وحتى نستطيع التعامل الصحيح مع القضية، فنحن أمام قضية (أكل عيش) كما قلت، فهذه هي الوجهة الوحيدة التي تجعل لمناقشتنا لهذا الأمر وجاهة ومشروعية، أما أن يدّعوا خوفهم على أجمل ملكة وهبها الله للإنسان، وهي "التفكير المبدع" فهذه خدعة تفضحها أعمالهم التي ملأتنا خجلاً أمام أسلافنا، وعقدت ألسنتنا عن النطق أمام أبنائنا، ودمرت صورة الوطن المتحضر أمام أصدقائنا، فالحقيقة يا سادة، أننا نعيش في حقبة "اللمبي" الإبداعية...هذا الذي يمثل حصيلة جهد وعرق كل هؤلاء المبدعين، فهل لمثلهم (عين) يدافعون بها عن هذا الإبداع؟ بل ولا نتصور أن الفنون ستتقدم إلا بعد أن ينسحب هؤلاء من المشهد الفني والإبداعي، ويكتفوا بما حصّلوه من أموال وماخرّبوه من أذواق وعقول وضمائر، كما نطمئنهم أن الجمهور لن ينخلع قلبه إذا استراح هذا المبدع أو ذاك ممن امتلكوا الشهرة في عصر الانحطاط الإبداعي.
ثم إننا نتساءل: أين الشعراء والمسرحيون ومبدعو الفنون التشكيلية و....؟ فعلاً لا نكاد نشعر بوجودهم رغم اعتناء "فاروق حسني" بهم، لكن الواقع أننا أمام "شلل إبداعية" تهيمن على المؤسسات الثقافية، وعلى المشهد الفني، أما الفنانون الأُصلاء فيعرفهم المهتم فقط، لكن الاستبداد كما وضعنا في مأزق اقتصادي دون رغبتنا، وضعنا ف مأزق إبداعي برغبة هذا الصنف من المبدعين الذين انحازوا للسلطة وداهنوا الشعب بوضيع الفن ومتواضعه، وحوّلوا الفنون كلها إلى فن واحد فقط هو.. "فن الأراجوز".
السؤال الثاني: وهل الإبداع فنون فقط؟
إن حرية الإبداع الفني هي الابن الأصغر لحرية التفكير، فالعقل الذي استقر الجميع على تقديره وإعلاء شأنه أصبح متحررًا من كل القيود، وفي حالنا فإننا نمتلك فضيلة الشرع والعقل معًا، ومن هنا فإن حوافز التقدم الآن تثير كوامن الإبداع لدى الجادين والموهوبين الحقيقيين، وليس بعيدًا عن فهم الجميع ما أحدثه هذا الثنائي (الشرع والعقل) من تحضر لدولتنا الإسلامية، أفادت منه "أوروبا" في عصر نهضتها، غير أن حالة الاحتراب الفضائي حصرت النهضة في أسئلة عبيطة كلها يدور حول مدى (التعري المادي) الذي سيسمح به الإسلاميون في الوسائط الإبداعية المختلفة، وانسحبنا من حوار حضاري يلح علينا إلى الاختلاف حول فساتين هوانم السينما، أما النهضة الإسلامية السابقة فلقد قامت على أكتاف الدعاة والأطباء والمهندسين والمجاهدين والفلاسفة، وكذلك قامت نهضة أوروبا على أمثالهم، فالتاريخ يذكر عظمة "الشافعي" كما يذكر "ابن الهيثم"، ويذكر "صلاح الدين" كما يذكر "المتنبي"، ومثلنا كان الأوروبيون؛ إذ لا تستطيع أن تفصل بين "جون لوك" و"نيوتن" في "إنجلترا"، ولا بين "كانت" و"ليبنتز" في "ألمانيا" ولا بين "فولتير" و"الموسوعيين" في "فرنسا"، فكل التخصصات كانت في خدمة التنوير الحضاري الحقيقي، فلاسفة وقواد جيوش وفيزيائيون وإلخ، أما احتجاز التنوير لدى"مبدعي الكلمة" فقط فهو اجتزاء سفيه وغير مقبول للمعنى والغاية، كما أنه استمرار لحالة الشلليه الثقافية التي (أبدعها) المثقفون حين ارتضوا حضن السلطة الوارف وباعوا مستقبل شعبهم بثمن زهيد.
السؤال الثالث: ورغم ذلك هل مسّكم أحد بسوء؟ أم هي مماحكة؟
فمن المدهش وربما المضحك أن يخاف "المبدع" على إبداعه الذي لم يولد بعد من سلطة لم تبطش بمبدع مطلقًا، فهل هذا الخوف صحيح، وفي محله؟ أم إنه لمجرد الشهرة؟
أو لعله باب جديد للهجوم غير المبرر على "الرئيس" ذي الخلفية الإسلامية وعلى الإسلاميين الصاعدين باختيار الشعب؟
العقلاء يقولون: أرونا إبداعكم في عهد الحرية والنهضة، ثم دعونا نرَ سلوك السلطة تجاهكم، والذي نتوقعه أن الشعب نفسه سيُسقط ألوان الإبداع التخديرية التي شجعها النظام البائد، وهذه ستسقط معها "صنايعية" "الإبداع المزيف" الذي أُسس لقيم انسحابية أنانية تبريرية لا تخطئها عين الناقد، وأنتجت مواطنًا يقول للأعمى "أنت مفتح وكحيل العين... في وشه ! وبلا خوف!!".
من الذي صنع مسلسلات وبرامج رمضان؟ أنتم...أليس كذلك؟
لماذا دمغها النقاد بالسفه والانحطاط وغياب الإبداع والرؤية؟
ولماذا اندهش الجميع من تخلفكم عن مجاراة الواقع الجديد؟
الذي يدعي الإبداع يعلم أن "المبدع" هو طليعة وطنه، وهو المبشر بالمستقبل والمُحذّر من المجهول، وهو المعارض الذي لا يداهن، والمسئول عن تحريك العقول والقلوب، بربكم أشيروا لنا على عمل واحد يظهر شيئا من هذا!!
لكننا نتطوع ونقول لكم...إن ما تصنعونه لا يستحق وصف الإبداع، ولا يستحق أن تنشغل السلطة بمحاربته، ولم يحرك ساكنا، ولن يقض مضجعا...فلماذا الصراخ؟
أعلم أن انحياز "الرئيس" للحرية الكاملة، وعفوه عن "عفيفي" سيصيب هؤلاء الأدعياء بخرس وقتي، ثم سيبحثون عن (غاغة) جديدة تضعهم في الصورة.
إن أشد ما يحزنني أن ينشغل الجادون بمثل هؤلاء الأدعياء، والأصوب أن نمضي قدمًا في مشروع "النهضة" الذي سيبرز أهل العلم والمواهب الأصلاء، وأن يكف شبابنا عن تداول إنتاج "سقط" الإبداع، وأن يتنادوا إلى عالم جديد لصناعة مستقبل يؤسسه العلم والوطنية الصادقة.
ونحمد الله أن كان من تقديره نشوء جيل لا يقرأ ولا يتفاعل مع "الإبداع المزيف"، وظللنا نهاجم هذا الجيل على جهله، ولم نكن نعلم أن الله كان يحفظهم من مَن "تأثير المبدعين" !! حتى يكونوا شرارة الثورة المباركة، والتي- لاشك- ستأتي "بمبدعين" يقوّمون السلطة ولا يخشونها، يتماهون مع هوية الوطن وأشواق الناس، لا مع غرائزهم وتخديرهم ،.... يشعرون بعذاباته ولا يتاجرون بها، يوقدون نار العمل من بين هشيم الآلام.
هؤلاء الذين ينتظرهم الوطن ويخشى أن يتأخروا.
أما المتباكون على الحرية ادّعاءً.
والخائفون على المبدعين افتراءً... فلهم سؤالنا البريء:
وأين هؤلاء المبدعون؟
----------------
*