ما ارتكبه نظام المخلوع مبارك في حق سيناء الأرض والشعب هو من أعظم جرائمه في حق الوطن وأمنه القومي، وهو انعكاس حقيقي للإفساد المنظم الذي ارتكبه على مدى عشرات السنين.

 

لقد أهمل التنمية فيها مع سبق الإصرار والترصد، وأغفل سيناء تمامًا، واتبع من السياسات ما جعل أهل سيناء غرباء في وطنهم، ونزع عنهم وطنيتهم، فأضاع سيناء أرضًا وبشرًا، وإن بقيت سيناء على الورق جزءًا من مصر.

 

وهذا ما مكَّن من تشجيع الإرهاب فيها ضمن خطة صهيونية طويلة الأجل، تأمل للهيمنة على سيناء؛ بحجة أنها خارج نطاق السيطرة المصرية، وأن الكيان هو الأحق بها، وإلا لماذا عمت الفوضى ومظاهر الإرهاب سيناء بعد ثورة يناير؟ ولماذا لم يعلن النظام السابق شيئًا عن حقيقة الإرهاب الذي ضرب سياحتها من قبل؟! ولماذا أضحت سيناء مرتعًا خصبًا للإرهاب وأدواته وداعميه؟ّ!

 

إن مقتضيات الأمن القومي المصري وتهديداته الكبيرة وتداعيات توفير البيئة الخصبة لنموِّ الإرهاب ورعايته التي وفَّرها النظام الفاسد تستوجب محاكمته على تلك الجرائم التي ارتكبها في حق مصر وشعبها وإضراره بالصالح العام والأمن القومي المصري.

 

وشاءت الأقدار أن يكون الحادث الغادر في رفح نقطة التغيير الكبرى التي سلطت الضوء على هذه البقعة المباركة من أرض مصر، وعلى ضرورة الاهتمام والعناية بها، وهذا ما عبَّر عنه الرئيس محمد مرسي حين أعلن بعد ساعات من الحادث الأليم عن ضرورة بسط السيادة المصرية على كل ذرة رمل من أرض سيناء، وهو ما تمَّ تحويله على أرض الواقع بدخول الجيش المصري بأعداد كبيرة وبأسلحته الثقيلة في بعض المناطق التي ينزل فيها لأول مرة منذ عام 1967، وبدأت العمليات المشتركة بين قوات الجيش والشرطة لاستئصال بؤرالإرهاب المتمركزة في سيناء من عشرات السنين، وبإذن الله تكلل هذه الجهود بالتوفيق في الأيام القادمة.

 

وأعتقد أنه لا بد من أن تتواكب مع هذه العمليات العسكرية عمليات جادة وحثيثة لتنمية وتعمير سيناء, وذلك بنظرة تنموية مجتمعية شاملة متكاملة, تُعنى بالتركيز على الجوانب الإنتاجية من زراعة وصناعة وتعدين.

 

إن سيناء هي الحصن الطبيعي لمصر, وهي خط الدفاع الأول, فقد جاءت معظم الغزوات عن طريقها، وتركها مفتوحة المجال يجعلها هدفًا للأطماع الصهيونية؛ نتيجة الإهمال المتعمَّد بترك سيناء فارغة بدون تنمية خلال السنوات الثلاثين الماضية.

 

إن الأولوية القصوى الآن والدعمة للأمن القومي هي تعمير سيناء وتنميتها، والمطلوب توطين أكثر من ثلاثة ملايين نسمة بها، وخاصةً أن سيناء تنعم بمناخ جاذب للاستثمارات التي تحقق التنمية المستدامة زراعيًّا وصناعيًّا وسياحيًّا، إلا أن أيًّا من هذه التنمية لم تتحقق لغياب الإرادة السياسية تارةً ولغياب الأمن تارةً أخرى، أو لعدم وجود بنية تحتية لتحقيق التنمية المرجوَّة تارةً ثالثةً.

 

ولتنفيذ المشروع القومي لتنمية سيناء لا بد من إنشاء هيئة تقوم على تعمير سيناء أو تنميتها, تعمل على أساس خطة قومية إستراتيجية متكاملة, طويلة المدى, تضع البرامج القابلة للتنفيذ وفق مدى زمني محدد بالمهام وبالخبرات, وابتكار أساليب التمويل اللازمة والمناسبة، وتقترح القوانين الخاصة بحوافز الاستثمار داخل سيناء بما يضمن سدّ الفراغ العمراني وزيادة المأهول السكاني، وتضمن تحقيق التنسيق والتكامل بين جهود الوزارات والمحافظات والقطاع الخاص فيما يتعلق بتحقيق مستهدفات المشروع القومي.. هيئة تعمل على تقوية وتدعيم سياسة مصر الزراعية بزيادة الرقعة الزراعية والإنتاج الزراعي والاستفادة من مياه الصرف الزراعي التي كانت تضيع سدى في البحر، وإعادة توزيع وتوطين السكان بصحراء مصر، مع ضرورة ربط سيناء بمنطقة شرق الدلتا وجعلها امتدادًا طبيعيًّا للوادي، واستغلال الطاقات البشرية للشباب في أغراض التنمية الشاملة.

 

إن الطريق لتعمير سيناء وتنميتها ليس معبَّدًا أو مفروشًا بالورد والرياحين ولكنه مليء بالمشكلات والعقبات التي تحتاج لإرادة صلبة وإدارة جادة وتنمية علمية لتحقيق المستهدفات الكبرى لهذه المعركة التي تخوضها مصر لفرض سيطرتها على بوابتها الشرقية بالتنمية والتعمير، والأمر يتطلب جهودًا شاقةً على الأرض لشق الترع والأنفاق والطرق والسكك الحديدية, وحفر الآبار وصيانتها وتوفير البنية الأساسية الصالحة للاستثمار, والتنمية الاجتماعية والثقافية. وتوطين السكان, في إطار مجتمعات وقرى ومدن إنتاجية زراعية صناعية متكاملة.

 

لقد مضى نحو ثلاثين عامًا من الكلام المعسول عن تنمية سيناء وإعمارها, والمطلوب الآن تنفيذ هذا الكلام عمليًّا على أرض الواقع، بخطوات عملية ملموسة, بمخطط لتنمية وتعمير شامل لسيناء, مع فك الاشتباك بين الوزارات والهيئات المسئولة عن التخطيط والإشراف والتنفيذ، وجعْل سيناء كلها منطقة جاذبة للاستثمار والأيدي العاملة، مع تشجيع المساهمة الشعبية في تنمية سيناء، وابتكار نماذج مبتكرة من التمويل العام والخاص، وحل مشكلات الملكية وحق الانتفاع في أراضي سيناء، مع احترام كامل لأهل سيناء؛ باعتبارهم مصريين كاملي الوطنية، ومراعاة تقاليدهم وعاداتهم القبلية، ولا بد من إحياء المشاريع الاستثمارية المتوقفة، مثل فحم المغارة ومصانع الإسمنت والأسمدة وإنشاء شبكة للسكك الحديدية وزراعة آلاف الأفدنة وريِّها عن طريق ترعة السلام وخزانات مياه السيول والمياه الجوفية، والاهتمام بعيون سيناء الطبيعية للاستفادة منها في الاستشفاء والاهتمام بمناطق الجذب السياحي والسواحل الذهبية والمحميات الطبيعية.

 

إن من المؤشرات الإيجابية ما أعلنه رئيس الجمهورية عن تخصيص مليار جنيه لدعم تنمية سيناء، وما أعلنه مجلس الوزراء مؤخرًا من ملامح مشروع تنمية سيناء والقائم على تأسيس صندوق لتنمية سيناء وجهاز قومي للتنمية الشاملة، يضع خطوطًا عريضة لتنمية سيناء تتضمن تحديدًا ملزمًا للمشروعات المقررة وفق توقيتات محددة وتحديد ملزم لمصادر التمويل وأحجامها، ومتابعة دقيقة صارمة لمراحل الإنجاز مهما تغيرت الحكومات والوزارات.

 

إن تنمية سيناء وإعمارها هو مسئولية مصر جميعًا، وليس الحكومة فقط، فهناك أدوار لمؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والهيئات ورجال الأعمال، فهذه مسئولية الجميع؛ فلنتحمل جميعًا مسئولياتنا التاريخية والأخلاقية تجاه هذه القضية القومية الكبرى.