هذه المقولة طالما رددناها لفترات طويلة في هذا الزمن الغابر فالأخ من الإخوان يخرج من المعتقل فيقول هذه المقولة أو يُذكَّر بها.. الأخ من الإخوان تُلفق له القضية فينجيه الله منها فيقول هذه المقولة أو يُذكَّر بها.. والمواقف كثيرة لا تُحصى فلقد منَّ الله على الإخوان بهذه الفترة من السنوات العجاف لكي يقوى عودهم وتشتد ظهورهم ومن نجا من هذه السنوات العجاف فما بعدها أهون.. هذه السنوات التي كثر فيها الحساد والنقاد ومن كانوا يلمزوننا ويسلقوننا بألسنة حداد.
والمسلسل ما زال مستمرًّا من الحسد.. والنقد.. والتخوين.. والتهويل والتخويف.. والتكذيب.. وآخر حلقة في هذا المسلسل (الأخونة)، وأنا أرى ما يحدث الآن أهمس في أذن كل أخ غيور على دينه ووطنه قائلاً له اشكر حُسّادك لأن النقد الموجّه إليك يساوي قيمتك تمامًا، وإذا أصبحت لا تُنقد ولا تُحسد فأحسن الله عزاءك في حياتك، لأنك مت من زمنٍ وأنت لا تدري.
وإذا أصبحت يومًا ما ووجدت رسائل شتم وقصائد هجاء وخطابات قدح فاحمد الله، فقد أصبحت شيئًا مذكورًا وصرت رقمًا مهمًّا ينبغي التعامل معه.. إن أعظم علامات النجاح هو كيل النقد جزافًا لك، فمعناه أنك عملت أعمالاً عظيمة فيها أخطاء، أما إذا لم تُنقد ولم تُحسد فمعناه أنك صفر ولا قيمة لك وأصبحت محرمًا على ألسنة الحساد والنقاد كحرمة الميتة.
يقول صاحب كتاب (دع القلق): إن الناس لا يرفسون كلبًا ميتًا، ويقول أبو تمام:
وإِذا أراد اللَه نَشر فَضيلَةٍ ... طُويت أَتاح لَها لسان حسودِ
يقول أحد الكتّاب: عليك أن تشكر حسّادك؛ لأنهم تبرعوا بدعايةٍ مجانية نيابةً عنك، وإذا وجدت هجومًا كاسحًا ضدك من أصدقائك الأعداء أو من أعدائك الأصدقاء فلا ترد عليهم بل سامحهم واستغفر لهم وزد في إنتاجك وتأليفك وبرامجك فإن هذه أعظم عقوبة لهم، إن نقد أعدائنا الأصدقاء يقوِّم اعوجاجنا الذي ربما أعمانا عنه مديح الجماهير وتصفيق المعجبين، فالعالِم لكثرة ما يُمدح يظن أن الله لطف بالخلق لمّا أوجده في هذا الزمن، والمسئول إذا أُثني عليه بقصائد يحسب أن الملائكة في السماء تصفّق له، إذًا فلا بد من وخزات نقدية؛ ليستيقظ العقل الذي غيبه أهل المدح الزائف الرخيص.
يقول أحد الفلاسفة: "إذا ركلت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة"، إن التافهين ليس لهم نقّاد ولا حسّاد؛ لأنهم كالجماد تمامًا، وهل سمعت أحدًا يهجو حجرًا أو يسب طينًا؟! وتذكر أن الكسوف والخسوف للشمس والقمر، أما سائر النجوم فلم تبلغ هذا الشرف.
إن أحد الكتاب شكا للعقاد تهجم الصحافة عليه فقال العقاد: اجمع لي كل المقالات التي هاجمتك، فجمعها، فقال له: رتّبها وضع قدميك عليها، فلما فعل قال له: لقد ارتفعت عن مستوى الأرض بمقدار هذا الهجوم ولو زادوا في نقدهم لزاد ارتفاعك.
يقول الشاعر:
وشكوت من ظلم الحسود ولن تجد ذا سؤدد إلا أصيب بحسّدِ
إن أصدقاءك الأعداء وإن أعداءك الأصدقاء لم ينقموا عليك لأنك سرقت أموالهم أو اغتصبت دورهم ولكنك فقتهم علمًا أو معرفةً أو مالاً أو حققت نجاحًا باهرًا، فلا بد أن يقتصّوا منك جزاءً وِفقًا لتصرفك الأرعن لأن الواجب عليك عندهم أن تبقى تحتهم بدرجة، إذًا فلا تنتظر من حسّادك شهادات حسن سيرة وسلوك ودعاء في السحر بل توقَّع قصائد عصماء مقذعة وخطبًا نارية بشعة ومقامات أدبية مشوّهة توقع منهم أن يلصقوا بك كل نقيصة وكل وقيعة وتوقع منهم أن يجربوا معك كل سلاح وبلا هوادة وبلا أخلاق حتى ولو كانت أخلاق الجاهلية.
ولهؤلاء ومن خلفهم أقول: لقد أحرجتم الشيطان بما تفعلون وما عهد الشيطان حيلكم هذه ولكنكم بهذا تحكمون القبضة حول أعناقكم فإذا زهقت أرواحكم ذهبتم غير مأسوف عليكم دون أن يكون هناك من يترحم عليكم إلا من هم على شاكلتكم.
وختامًا أقول: متى ضر السحاب نبح الكلاب.. وهل حدث يومًا أن عواء الكلاب أوقف قافلةً عن سيرها.. فاقتلوهم بالعمل حتى يموتوا غيظاً وكمدًا.. اقتلوهم بحبكم لبعضكم.. اقتلوهم في التفاني لخدمة هذا الوطن.. سددوا وقاربوا واستمسكوا بهدي ربكم.. كونوا نموذجًا للتدين.. كونوا نموذجًا للانتماء وحب الوطن حتى ييئسوا من نقدكم ومن حسدكم ومن الكيل لكم، فالنار إذا لم تجد ما تأكله أكلت بعضها بعضًا.