هناك مناطق على كوكب الأرض تمقت من فوقها؛ لأنهم ليسوا مجرد ثقل عليها فحسب؛ بل قد يكونون وبالاً على البشرية أجمع، فإنَّ كلّ مكان بأهله يُعرف، وبمدى تفكيرهم يتقدم، وما دام المجتمع تحركه قوى الحقد ومحركات المصالح توقف وتراكمت عليه أتربة قوافل الأمم المتسابقة.

 

عجيب أنك تطالع الصحف العالمية فتجدها تتحدث بلسان واحد عن الرئيس المصري بكل احترام، وتتوقع المستقبل المشرق بين يديه لشعب صبر كصبر أيوب على البلاء؛ في حين أن بعض المصريين وجرائدهم الصفراء التي من المفترض أنها تصدر عن أدب وأديب؛ ما زالوا يطلقون ألسنتهم في وديان سوء الأدب، ويقيدون أيديهم عن العمل والجد، وليت كلامهم يصدر عن حب لمصر وإنما حب لمصالحهم، تلك المصالح التي لا شك جاءت على حساب المواطنين المصريين، فإن أغلب تلك الجرائد مدانة لخزانة الدولة بالملايين، وهم على أمل أن يعود النظام البائد ليعفيهم من ديونهم التي هي من دم الشعب، ولكن نقول لهم لن نترك حق الشعب مسلوبًا حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط.

 

هذه الصحف وهؤلاء المتصحفون تدفعهم لا شك قوى متغلغلة في نسيج المجتمع لم يكن همُّ هذه القوى في النظام السابق غير حماية النظام، ما زال هؤلاء يجتمعون، ما زال هؤلاء تربطهم صلة بمجرمي سجن طره، والآن هم يحركون بعض الأشخاص الذين يبحثون عن شهوة الشهرة الجوفاء، ورفع شأن أنفسهم دون بلدهم، ترى الواحد منهم يتزعم أكبر التصريحات، ويحدث بأكبر الكبائر، وما نداؤه إلا في ضلال.

 

ينادي هؤلاء اليوم للوقوف ضد الحكومة الجديدة ورئيسها، ينادون بإسقاطها، بل ينادون بإسقاط مصر ولست مبالغًا؛ لأن كتاب حب الوطن يقول: إن المواطن الحق يعمل كل ما في وسعه لتستقر بلاده، وهؤلاء ظنوا أنفسهم فوق القضاء الذي جاء بالرئيس، وفوق الحكومة التي اصطفاها من كل طوائف الشعب، وفوق الشعب كله، وتزعموا أنَّ مصر لم تنجب سواهم، في حين أن مصر لو نطقت لتبرأت منهم؛ لأن ما يفعلونه نوع من العقوق، يتشدق الواحد منهم بحب مصر وهو كذوب؛ لأن مصر تدعو الآن للعمل والمحب لمن أحب مطيع.

 

علي أي شيء يتقلقل هؤلاء؟! ولمَ هم على نار الجمر يجلسون؟!! لو أنهم يدبِّرون لخدمة الوطن منذ اندلاع الثورة لكان خيرًا لهم، ولكن يوحي الشيطان إلى أوليائه ليصدوا عن السبيل، ينفقون الأموال في الفنادق والاجتماعات وحشد الناس البسيطة بالأجر، وأمور لا تشم منها إلا رائحة الحقد اليهودي الذي يمقت كل خير ما دام في يد غيرهم.

 

أقول لهؤلاء إنَّ أبا سفيان يوم منصرفه من "أُحد" (3هـ) ضرب موعدًا لقتال المسلمين في العام المقبل، واستعد الفريقان، ولما وجد أنه سيدفع نفسه ثمنًا لمصلحته الخاصة ولَّى هاربًا، لقد كان أذكى من هؤلاء الذين جمعوا بين الحمق والخيانة، فباعوا أنفسهم ليعيش سادتهم، وخانوا وطنهم إخلاصًا لأعدائه.

 

 إنَّ سدنة "ماسبيرو" وكهان الفضائيات اليوم يضربون مواعيد لإسقاط مصر، ولكن لن تسقط ما دام أهلها في يقظة، فيا كم قُصفت؟! لكنها لن تنقصف، إني أحدثكم بلسان الحكمة وإلا فأنتم دعاة فتنة ولكن- لسوء حظكم- في وجه من يحبون وطنهم، وهذه تكفي لتخزيكم، فالإخلاص مصنع يُنتج أنواعًا من قوى الردع، وليكن في من سبقكم عبرة.

 

فلتعودوا لميدان العمل خيرًا لكم، إن التحرير يئن من أصحاب المصالح الشخصية، والمرجفين في المدائن بالكذب، دعوا التحرير طاهرًا بدماء الشهداء ولا تدنسوه بحقدكم وحسدكم، ولنحترم إرادة الشعب في اختياره ورأيه، فلا تفرضوا وصايتكم على شعب مصر؛ لأنه ليس بقاصر ولا بطفل صغير، وإنما القاصر الذي بلغ الرشد فجأة بعد الثورة، فهناك أقوام لم نسمع لهم صوتًا ولا قولاً قبلها، لم يكن لهم همٌّ سوى ملء البطون يوم كان الناس يتضورون جوعًا ولا يعرفون الطعام الصحي إلا في أسطر الكتب لا في خلايا أجسادهم.

 

إن رجال الأعمال الذين يساندون هؤلاء يصنعون حطبًا لنيران الميادين، إن بعض الإعلاميين ينفخون في بوق الفتنة، إن صحفًا تخط ما خطته قريش في وثيقتها الجائرة على بني هاشم، إن هؤلاء تطوف بأذهانهم خطة الشيطان، الذي أراد أن يفسد ما ومن حوله حين أيقن بخسرانه.

 

إن تاريخ الأمم والمصالح الخاصة هو الذي يحكي ذلك وغيره، ومن لم يُصدِّق فليقرأ التاريخ فالتاريخ لا يلحن، ولكن أذكركم فتذكروا: كم من حافر خندق لأخيه أرداه الله فيه، وإن قومًا اختارهم الله لن يضيعهم.