آن الأوان لوضع خطة شاملة تتضمن تكاتفًا مجتمعيًّا للقضاء على ظاهرة البلطجة التي استشرت بشكل فظيع، وباتت تهدد حياة الكثيرين، بل كيان الدولة نفسه.
بدأت تلك الظاهرة في عهد المخلوع؛ الذي لم يكن لنظامه أي سند أو دعم شعبي، فلجأ إلى هؤلاء (الشبيحة) لمساندته، وقد اعتبرهم جيشًا موازيًا لجيوشه الأمنية الأخرى، من بينها: أمن الدولة، المباحث العامة، الأمن المركزي، المرشدون غير الرسميين، وغيرها.. وكان لهؤلاء البلطجية أدوار خطيرة أثناء الانتخابات العامة، وفي عمليات فض المظاهرات والاحتجاجات، وداخل الجامعات، وفي مراقبة وتصفية أعضاء الجماعات الإسلامية.
وقد تولى رؤساء وحدات المباحث ومعاونوهم، في الأقسام والمراكز الشرطية، وضباط أمن الدولة في مكاتب النشاط الديني والطلاب والعمال وغيرها، إدارة هذا القطاع الأمني غير الرسمي، فكان كل ضابط من هؤلاء مسئولاً عن كل الخطرين في دائرة قسمه، يستدعيهم (وقت اللزوم) عن طريق قاعدة بيانات لديه، ومن يتأخر منهم عليه وزر هذا التأخير.
ما زلت أذكر ما جرى في انتخابات الشورى عام 2010م، وكانت مهزلة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، قصدت يومها إحدى اللجان وكانت في مدرسة بشارع الهرم، وكان بها ما يزيد على 16 ألف صوت، إلا أن أمن الدولة منعت التصويت إلا لمن تعرفه من أعضاء الحزب البائد، وقد أخبرني الإخوان المكلفون بحراسة اللجنة ومتابعة العملية الانتخابية بها أنهم مُنعوا من مجرد الاقتراب من المكان، بل تعرضوا للاعتداء من جانب عشرات البلطجية، وكان أن أمرتهم بالانسحاب من المنطقة إلى منطقة أخرى مجاورة حتى تهدأ الأحوال ويتم التفاهم مع مسئولي اللجنة، إلا أنهم فوجئوا بمطاردة هؤلاء البلطجية لهم، في محاولة لقتل بعضهم، وفي أثناء ذلك تعرف أحد الإخوان على واحد منهم- وكان زميلاً له في مؤسسة كبرى وتمَّ فصله بعد اتهامه في قضية تعاطي مخدرات- فأقسم له هذا البلطجي إنه سُلِّم صبيحة هذا اليوم مسمارًا بطول 30 سم وقيل له: مطلوب منك أن تفقأ عيني اثنين من الإخوان بهذا المسمار وإلا.. وأكد أنه لم يتقاضَ مليمًا واحدًا، وأن رئيس مباحث القسم يستدعيه في مثل هذه المناسبات ويهدده بتلفيق التهم له ولأهله إن تأخر عن التلبية، يقول البلطجي: وهكذا ليس أمامي سوى الدوران في تلك الدائرة المفرغة مرغمًا!!.
وعندما نتحدث عن تلك الظاهرة الآن، فإننا نتحدث عما يزيد على نصف مليون شخص رتبوا أوضاعهم على العيش على الجريمة وترويع الآمنين، ومن هنا لا بد من برنامج متكامل لتأهيل هؤلاء (المساكين) للانخراط في المجتمع والعيش بصورة آدمية سوية، وهذا لا يتأتى إلا برفع أيادي ضباط الشرطة عنهم- إلا في نطاق القانون- ثم دمجهم في برامج توعية دينية وقيمية لاستخراج نوازع الشر من نفوسهم، والأهم توفير فرص عمل كريمة، لهم ولذويهم، مع العلم أن أعمالهم الإجرامية الحالية ربما تدرُّ عليهم أموالاً طائلة، فيراعى أن تكون دخولهم معقولة كيلا يعودوا إلى ممارسة الجريمة من أجل زيادة الدخل.
إنَّ الدولة التي حاربت الإرهاب ونجحت في ذلك، والدولة التي كان يفخر وزراء داخليتها أنهم يعرفون (دبة النملة) في البلد قادرة على مواجهة البلطجة، إذا خلصت النيات، وإذا أدركنا أنَّ خسائر تلك الظاهرة تفوق خسائر أي ظاهرة أخرى، وأنَّ المجتمع بلا أمن حقيقي لا يسمى مجتمعًا، خصوصًا أنَّ الظاهرة في ازدياد بعد أحداث الثورة وما جرى من انفلات دفع الكثيرين ممن لا مهنة لهم لامتهان البلطجة واتخاذها وظيفة مدرَّة للأرباح.
إن نجاح الرئيس والحكومة وباقي مؤسسات الدولة في القضاء على ظاهرة البلطجة، هو نجاح حقيقي لمصر الجديدة، مصر الثورة؛ إذ لا قيمة لأي مشروع نهضوي إلا بإحلال الأمن محل الخوف، والنظام محل الفوضى والانفلات، وبتطبيق القانون بشكل حازم وقوي على الخارجين عليه؛ لأن الدولة التي يهددها بلطجي لا يصح أن تكون دولة، والشرطي الذي يخاف المجرم لا يمكن أن يتحقق على يديه أي نوع من الأمن. بقي دور مهم هو دور الشباب المتطوع في مواجهة الظاهرة، بأن يُعطوا- وهذا اقتراح من عندي- التصريح والإمكانات لحراسة وتأمين أحيائهم، وهم بالطبع أدرى بشعابها من غيرهم، فإذا نجح هذا الدور مع أدوار الدولة الأخرى على المستويات الأمنية وغير الأمنية، استطعنا بذلك أن نعيد إلى بلدنا وجهها المشرق الذي غبَّره النظام السابق، وترك لنا تركة لا أراها كلها إلا مصائب وأزمات.. أسأل الله السلامة.