الحمد لله الذي أحيانا حتى أدركنا شهر رمضان، وهذا فضل منه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من بلي- حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد أحدهما وأُخر الآخر سنة- أي مات الثاني موتًا طبيعيًّا بعد عام من استشهاد الأول، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المُؤخَّر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبتُ لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة- عدد ركعات الفرائض خلال السنة الهجرية- وكذا وكذا ركعة صلاة سنة )وفي رواية (فما بينهما أبعد من السماء والأرض.... (1).
والحمد لله الذي أعاننا على صيامه وقيامه، وهذه فضل أيضًا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (2).
وأشهد أن لا اله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أمام الصائمين والمتقين. اللهم صلي و سلم وبارك على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبة ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين وارض اللهم عنا معهم يا أرحم الرحمين.
أما بعد
أسئلة يجب على كل مسلم أن يٍسألها لنفسه، لماذا صُمت؟ وعن أي شيء صُمت؟ وما الذي جعلني أنجح في تحمل مشاق الصيام؟ وما المطلوب مني بعد رمضان؟
أخوة الإسلام، عبادة الصيام تختلف عن باقي العبادات في شيئين الأول: أسلوب أو طريقة الأداء، والثاني المدة.
أما عن الشيء الأول وهو أسلوب الأداء فجميع العبادات عند أدائها يراك الناس، فالصلاة يراك مَن بالمسجد تسجد وتركع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" (3).
والزكاة يراك الناس أو مَن يأخذ الزكاة وأنت تعطي المال؛ حيث الأصل في الزكاة الظهور قال تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)) (البقرة).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفًا (4).
والحج يراك الحجيج وأنت تؤدي المناسك، وكل هذا يُسمَّى أداءً إيجابيًّا، والأداء الإيجابي قد يعتريه الرياء أو حب الشهرة أو الافتخار أما الصيام فلا أحد يراك وأنت تمتنع عن الأكل والشرب أو الزوجة يومًا كاملاً ولكنك تنفذ ما قال الله، قال تعالى: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)) (البقرة)، وهذا يُسمَّى أداءً سلبيًّا، وهو الامتناع، والأداء السلبي غالبًا لا يعتريه الرياء أو الافتخار قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليس في الصوم رياء" (5).
أما الشيء الثاني: فهو المدة- أي الوقت- فالصلاة تحتاج لعدة دقائق حتى يتمها المصلي بخشوع وخضوع، والزكاة تحتاج لساعات حتى يقوم بها المزكي، والحج يحتاج ثلاثة أو أربعة أيام حتى تتم جميع المناسك، أما الصيام فيحتاج إلى شهرٍ كامل حتى يتم ويتحقق.
أخي المسلم، ثلاثون يومًا تؤدي أداء الامتناع، ثلاثون يومًا تصوم النهار والحر شديد، ثلاثون يومًا تقوم الليل والليل طويل، ثلاثون يومًا تعبًا وجهدًا ومشقةً، ثلاثون يومًا صائمًا، فلماذا صُمتَ؟
صمتَ من أجل الله وحده، الذي قال في الحديث القدسي: "الصوم لي وأنا أجزي به" (6).
صمت راغبًا في الثواب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله تعالى فجزاه فرح، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (7).
صمت متمنيًّا أن تكون من عتقاء رمضان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رمضان: "وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار" (8).
صمتَ لعلك تحصل على التقوى قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"(183)) (البقرة).
ألا إنما التقوى هي العز والكرم... وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم
أخي المسلم، من أجل كل هذا صمت، فعن أي شيء صمت؟ صمت عن الطعام والشراب والزوجة من الفجر حتى المغرب، أي امتنعت عما أحل الله لك طوعًا ورضًا وحبًا لربك، أليس كذلك؟ بلى.
إذًا أليس أولى بك أن تمتنع عن الحرام طوعًا ورضًا لربك وحبًّا له؟!!. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (9).
أخي المسلم، ما الذي جعلك تنجح في تحمل مشاقة الصيام؟ فالصيام كعبادة هو أشق أنواع العبادات بسبب طريقة الأداء، وطول المدة ومع ذلك تحملت تلك المشاقة والسبب الإرادة والعزم التي تولدت بداخلك تجاهه تلك العبادة.
فالإرادة والعزم التي تولَّدت بداخلك جعلتك تأخذ كل الطرق والوسائل لإنجاح الصيام وتذلل كل الصعاب والعقبات التي تقف أمامك لتحول بينك وبين إتمام الصيام، أي أنَّك أخذت نفسك بالعزيمة ولم تلجأ للرخص إلا في أضيق الحدود أو مضطرًا وهنا لم يتحقق فيك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "والعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا وَتَمنَّى عَلَى اللهِ" (10).
أخي المسلم، لم تكن عاجزًا وأنت تؤدي عبادة الصيام لذا نجحت، لم تتبع هواك ولم تستسلم للمغريات لذا نجحت. حددتَ لنفسك هدفًا واضحًا لذا نجحت، حددت همك وجمعت شمك ونوعت وسائلك لذا نجحت، وهكذا ستنجح- إن شاء الله- في أداء كل العبادات التي تقصر فيها، نعم ستنجح في البعد عن كل المعاصي التي تقع فيها، نعم ستنجح أن تكون عبدًا ربانيًّا. نعم ستنجح أن تكون عبدًا صالحًا مصلحًا.
المطلوب منك فقط (الإرادة والعزم) نحو الشيء الذي تريده أنت، وأعلم أن الله- سبحانه وتعالى- حينما يجد فيك الإرادة والعزم سيذلل لك كل الصعاب وييسر لكل كل الطرق لكي تصل إلي ما تريد كما فعل معك في الصيام قال تعالى: .(قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)) (آل عمران).
أخي المسلم، ما المطلوب منك بعد رمضان؟ المطلوب شيء واحد فقط وهو البحث عن نجاحك في أداء عبادة الصيام لله الواحد القهار، والفوز بالتقوى، وهذه هي علامات الفوز بالتقوى ونجاح الصيام، يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حينما سُئل عن التقوى قال: ليس تقوى الله بصيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرَّم الله، وأداء ما افترض الله, فمن رُزق بعد ذلك خيرًا فهو خيرٌ إلى خير.
ابحث في سلوكك وابحث في تصرفاتك وابحث في أقوالك وابحث في أفعالك وابحث في أفكارك هل أنت تترك ما حرم الله؟ هل أنت تؤدي ما افترضه الله؟ هل أنت تصوم نوافل أم تركت الصيام بالكلية؟ هل أنت تقوم بالليل ولو على فترات أم تركت قيام الليل بالكلية؟
فإذا لم تكن تفعل فاسأل مَن تثق فيهم أين الطريق إلى الله تعالى؟ فإذا لم تكن تفعل فتذكر واستدعي الإرادة والعزم التي تولدت فيك أثناء رمضان؟ فإذا لم تكن تفعل فالجأ لمن ينادي عليك من قريب لكي ييسر لك الطريق ويرشدك بعد الضلال "يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم و إنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم و إنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومَّن إلا نفسه" (11).
أخي المسلم، ردد مع نفسك كثيرًا "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر".
أخي المسلم، ردد مع نفسك كثيرًا "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومَّن إلا نفسه".
فنعوذ بالله أن يأتي يومٌ نلوم فيه أنفسنا
-----
* الهوامش:
1- رواه أحمد في صحيحه.
2- تخريج السيوطي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- تحقيق الألباني (صحيح) انظر في صحيح الجامع.
3- رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
4- تفسير القرطبي.
5- البيهقي في شعب الإيمان عن ابن شهاب مرسلاً. وابن عساكر عن أنس- رضي الله عنه-.
6- تخريج السيوطي. عن أبي هريرة وأبي سعيد معًا- رضي الله عنهما- تحقيق الألباني.. صحيح.
7- تخريج السيوطي. عن أبي هريرة وأبي سعيد معًا- رضي الله عنهما- تحقيق الألباني.. صحيح.
8- صحيح ابن خزينة.. سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه-.
9- تخريج السيوطي.. عن عمر- رضي الله عنه- تحقيق الألباني.. صحيح.
10- رواه الترمذي عن أبي يعلى شداد بن أوس- رضي الله عنه - وَقالَ: حديث حسن
11- تخريج السيوطي.. عن أبي- رضي الله عنه-.. تحقيق الألباني.. صحيح.
------------------
** محاسب قانوني وخبير ضرائب- صفحة الفيس بوك (عكاشة عباد)
Okasha_office@yahoo.com