الآن يمكننا أن نقول أن دماء شهدائنا في رفح لم تذهب هباء، فقد كانت نورًا جعلنا نبصر مواطن الخلل والقصور، وكانت نارًا على المقصرين الذين تسببوا في نمو وازدهار البؤر الإجرامية في سيناء، وفي غياب السيطرة الأمنية المصرية على أرض الفيروز.

 

مع استمرار الحملة العسكرية (النسر) لتطهير سيناء من كل العناصر التي عاثت في الأرض فسادًا وقتلاً وإرهابًا، ومع نجاح هذه الحملة في دك العديد من معاقل هذه البؤر الإجرامية، وقتل وإصابة العشرات من تلك العناصر الإجرامية، ومع التطهير الكامل إن شاء الله لسيناء في نهاية الحملة من تلك العناصر وعودة الأمن المصري وهيبة الدولة المصرية إلى سيناء- شمالاً وجنوبًا- نكون قد ثأرنا لدماء شهدائنا، ويصبح من حقنا ومن حق ذويهم عندئذ تقبل العزاء فيهم.

 

من المهم أن نذكر في هذا السياق أن وصول القوات المسلحة بطائراتها ودباباتها ومدرعاتها وآلياتها الثقيلة إلى أبعد نقطة على حدودنا الشرقية عند رفح يحدث لأول مرة ربما في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، فحتى في حرب 1973 لم تصل قواتنا المسلحة إلى تلك النقطة، بل توقفت على بعد عدة كيلومترات شرقي قناة السويس؛ حيث بدأت مفاوضات الكيلو 101 لوقف الاشتباك بقيادة الفريق محمد عبد الغني الجمسي رئيس العمليات في ذلك الوقت، وبالتالي فإن وصول قواتنا المسلحة إلى الحدود هو تأكيد للسيادة المصرية الكاملة على كل ترابها رغم القيود التي كبلتنا بها اتفاقية كامب ديفيد والتي قسمت سيناء الى ثلاث مناطق ( أ- ب – ج) وفي الأخيرة التي تجري عليها العمليات حاليًّا لم تكن المعاهدة تسمح بأكثر من وجود أمني رمزي بأسلحة خفيفة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تقوى بطبيعة الحال على مواجهة أي عمل إجرامي داخلي أو عدوان خارجي.

 

الثأر للشهداء لم يقتصر على الحملة العسكرية في سيناء التي يقودها الرئيس مرسي بنفسه، ولكنه تعدى ذلك إلى معاقبة كل الرؤوس التي تسببت في الكارثة، والتي وصلت ذروتها بإقالة المشير طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والفريق سامي عنان رئيس الأركان، وقادة الأسلحة الرئيسية ومن قبل ذلك رئيس المخابرات العامة ومعه رئيس الشرطة العسكرية ورئيس الحرس الجمهوري، ومحافظ شمال سيناء، هذه القرارات جاءت بردًا وسلامًا على كل الوطنيين وفي المقدمة منهم أسر شهداء رفح الذين عبروا عن تقديرهم لهذه القرارات الثورية من رئيس الجمهورية.

 

لقد كان التقصير واضحًا من القيادة العسكرية التي انشغلت بالصراع الحزبي الداخلي، وتفرغت للبحث عن سبل لإطالة بقائها في السلطة، بل إن نفرًا ممن ينتسبون إليها كانوا جزءًا من الثورة المضادة التي يقودها ظاهريًّا بعض السياسيين والإعلاميين والفنانين بهدف الانقلاب على ثورة 25 يناير وذلك عبر تحريك مظاهرات مصطنعة يوم 24 أغسطس ليتخذها هذا البعض ذريعة لفرض الحكم العسكري المباشر ووقف العمل بالإعلان الدستوري، وتعطيل مؤسسات الدولة المنتخبة وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى والجمعية التأسيسية، والزعم أن القوات المسلحة فعلت ذلك استجابة لنداء الشعب، وأنها ستعود لثكناتها بعد أن تستقر الأوضاع، ولن تستقر الأوضاع- طبعًا- إلا بعد مرور ستين سنة أخرى! لكن الضربة الاستباقية التي وجهها لهم الرئيس مرسي أربكت حساباتهم، وشلت قدرتهم حتى عن رد الفعل على تلك التغييرات.

 

لقد خسرت قوى الثورة المضادة بعد هذه التغييرات سندها الحقيقي الذي كانت تختبئ خلفه للتآمر على ثورة يناير وعلى دماء الشهداء، ولكن هذا لا يعني الاسترخاء من حراس الثورة، بل ينبغي أن تظل العيون يقظة والهمة عالية حتى ننتهي من المرحلة الانتقالية بوضع الدستور وإجراء الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة الجديدة.