أسبوع واحد، هو الفرق بين قراراته الأولى بإقالة مدير المخابرات العامة ورئيس الحرس الجمهوري وقيادات أخرى مهمة وإقالة وزير دفاع مبارك، ورئيس الأركان، وعدد من قيادات الجيش الكبيرة، وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي كان يمثل قيدًا على ممارسة الرئيس لصلاحياته.

 

وبهذا يكون الرئيس الجريء الدكتور محمد مرسي قد أنصف شعبه، وأوفى وعده، وأنجز ما لم تنجزه الملايين على مدار عام وسبعة شهور؛ فاللهم فرِّحه كما فرَّحَنا، وأسعدْه كما أسعدَنا، فهذان القراران الكبيران الخاطفان قد أكملا الثورة وقطعا دابر الفلول أو ما يطلق عليه (رءوس الدولة العميقة) التي استغلت أوقات المحنة في جر البلاد إلى الفوضى، وتخريب العمران، بل لا أبالغ إذا قلت إنهم كانوا يعمدون إلى تحويل مصر إلى عراق آخر يصحو مواطنوه وينامون على أصوات الانفجارات وحمامات الدماء.

 

لو لم يفعل مرسي سوى هذين القرارين المباغتين ما ضره شيء، وإذا كان لم يمر على توليه السلطة سوى أربعين يومًا فقد فعل ما كان متوقعًا أن يتم بعد سنوات أو عقود؛ لما رأيناه من استمساك العسكر بالسلطة، وترتيب الأمور كلها لأنفسهم، مستعينين فى ذلك بأوباش النظام السابق وسقط متاع البشر ممن دأبوا على اللصوصية والبلطجة، وقد شاهدنا مقدار الكبر والعنجهية، والاستهانة بالرئيس، وتحريض الإعلام عليه، والتقليل من شأنه، وهو الرئيس الشرعي المنتخب، من قبل توافه الناس وأدناهم خلقًا ومنزلة.

 

وأيًّا كانت الأسباب من أن هذين القرارين قد جاءا استباقًا لانقلاب عسكرى كان متوقعًا يوم 24 من أغسطس الجاري، أو لأن ثمة اتهامات موجهة لهؤلاء القادة لتورطهم في جريمة رفح فإنها بلا شك ضربة قوية وحكيمة، وجاءت في وقت مناسب للغاية، بعد مصيبة سيناء التي حلت علينا في هذه الأيام المباركة، وبعد تهديدات أنصار النظام البائد باستخدام العنف ضد الرئيس وحزبه نهاية هذا الشهر، وقد كانوا يظنون أن هذا الرئيس متردد أو ليست لديه خبرة أو ضعيف الشخصية، فكان القراران دليلين على قوة شخصية الرجل الذي كانت ضربته موجعة، بل مذهلة وشجاعة.

 

أنهى القراران حكم العسكر، وفتحا المجال أمام الثوار لاستكمال حلمهم بـ"وطن نظيف" خال من الكبت والاستبداد، قائم على الدين والعقل، ليس بينه وبين التقدم والنهوض حواجز، ولا يوجد عائق بينه وبين العيش بحرية وكرامة؛ إذ غاب السجان الأصم الأبكم الذي ظل على مدار ستين عامًا يسجن شعبًا بكامله، وفي الوقت ذاته لا يسمع لأنينه ولا يستجيب لصرخاته، فهو لا يجيد سوى لغة البطش والإرهاب والتنكيل بالمصلحين.

 

لتكن هذه القرارات التي كانت أغلى أمنية للجماهير- وقد تحققت بفضل الله- بداية لإصلاح كل شيء أفسده المفسدون، وقد أعطت الشرعية الكاملة للرئيس المنتخب وللثورة والثوار، وفي المقابل فرضت الحظر على المخربين وذيول النظام السابق، ولتكن درسًا كذلك لقطاع الشرطة الذي يتعمد ترك البلد تموج بالفتن والجرائم، ولتكن درسًا للإعلاميين المأجورين، ولتكن درسًا لكل من تسوِّل له نفسه التطاول على الشرعية والانتقاص من قدرها؛ فها هو الرئيس الجديد سوف يعاقب المتجاوز، لا يخاف سوى الله، ولا يخشى في الحق لومة لائم.