مذهل الكم الهائل من المسلسلات التلفزيونية أثناء شهر رمضان، لا أعتقد أن هناك مسئولاً يرضى عن هذا الكم من الإسفاف في شهر ثقافة المقاومة، فهل نرى موقفًا متوازنًا للحكومة الجديدة، أول حكومة للثورة، بشأن هذه المصيبة المركبة التي تهلك الحرث والنسل في الأسرة المصرية بل العربية. هناك تمويل ضخم للتركيز على شهوات الإنسان خصوصًا والجانب المادي عمومًا مع إهمال الجانب الروحي (فلسفة علمانية) والمعروف أنه لا يمكن الاستثمار بالتمويل في إنتاج هذه المسلسلات إلا بعد التأكد من زيادة إقبال الجمهور على مشاهدتها، وإلا ستنعدم الإعلانات التجارية (فيما بين هذه المسلسلات) التي تمثل المردود المالي الرئيسي للمنتج المستثمر، وبالتالي فهي قضية ثقافة المجتمع وليست فقط قضية دولة وحكومة.. فما الحكاية؟
- بالنسبة للحكومة فليس أقل من عمل مؤتمر عام يجمع بين رموز المفكرين والعلماء والمثقفين الذين ينتمون لهوية الشعب الحضارية لضرورة تحليل الظاهرة بمحاورها المختلفة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية حتى يتم التوصل لتصور يستوعب النتائج السلبية الخطيرة لهذه المسلسلات الهابطة مع الحفاظ على الحريات العامة التي يسمح بها الإسلام لتحقيق نهضة الأمة من خلال إطلاق كل إمكانات الإبداع في مجال الفن وخلافه، والجدير بالذكر أنه لا تعارض مطلقًا بين الحفاظ على ثقافة وعادات الأسرة والمجتمع المصري (أو العربي) وبين الحفاظ على الإبداع بعد التحول من العهد الديكتاتوري إلى الديمقراطي، فالإبداع في حضارتنا ليس مثل الحضارة الغربية العلمانية فليس الإبداع إباحية جنسية وعنفًا ومخدرات وتفككًا أسريًّا وخروجًا عن كل القيم المستقرة كما نشاهد الآن في هذه المسلسلات لمجرد استهداف الإبهار والمتعة دون أي محتوى موضوعي حضاري، والحقيقة أننا على مدار العقود السابقة لم نر أي إبداع يذكر لا في الفن ولا في معظم المجالات بحيث يستحق دفاع العلمانيين عن الحرية المطلقة للإبداع دون التقيد بموروثاتنا الحضارية، فتعريف الإبداع هو كل الجديد الذي يدعم تقدم وتنمية ونهضة أحوال المجتمع وحيث إن المجتمع، لا أحد غيره، هو الذي يقوم بالنهضة في مناخ الحرية، فالبديهي هو استحالة حدوث أي نهضة إلا بالتوافق مع هوية وثقافة وقيم المجتمع وبما أن الإسلام هو المصدر الأساسي لهويتنا وثقافتنا فإننا نؤكد على الآتي:
- المولى سبحانه خلق الملائكة روحًا بدون شهوة وخلق البهائم شهوة بدون عقل وخلق الإنسان مزيجًا بين الثلاثة، روحًا وعقلاً وشهوةً، ويستحيل استقامة البشرية إلا بالوسطية والتوازن بين الثلاثة، فجسم الإنسان هو الحصان والله يعطيك الحصان لتركبه لا ليركبك، لتخضعه لأهدافك الإسلامية لا ليخضعك لشهواتك الإنسانية العلمانية ولذلك المنهج الإسلامي يدرب المسلم على قيادة الحصان.
- فمثلاً شهر رمضان لا يمكن إلا أن يكون مركز تدريب مكثف روحي ومادي على جهاد النفس والمقاومة. فهل هناك شعب أو أمة غير المسلمين المعاصرين حاليًا تتخذ فترة التدريب فقط في حد ذاتها كهدف من هذا التدريب؟ أم أن البديهي والضروري أن يكون الهدف هو أيضًا فترة ما بعد مركز التدريب.. أي طوال العام.
- والعجيب أننا نقع في خطأ وظلم كبير عندما نصف شخص ما مسرف على نفسه بأنه ذو شهوة بهيمية (ليتها كذلك) فذكر البهائم لا يقترب من الأنثى إلا للتخصيب ولا يعاود الاقتراب منها حتى تتم الولادة وتطلب التخصيب مرة أخرى... كما أن البهائم لا تتناول من الطعام والشراب ما يزيد عن الشبع في حين أن معظم أمراض الإنسان ناتجة من (المعدة بيت الداء) الإسراف في الطعام والشراب.
- لقد ضيعنا ثمرة الصيام وثقافة المقاومة بدليل الارتفاع النسبي لأسعار السلع الغذائية في رمضان بسبب زيادة الطلب عليها وهو عكس المطلوب، وكذلك الارتفاع النسبي لسعر دقيقة الإعلانات بشتى القنوات التلفزيونية نتيجة لزيادة الإقبال على مشاهدتها وهو أيضًا عكس المطلوب.
- أي أن المسلم بدون ثقافة المقاومة الرمضانية، ليس فقط أثناء رمضان بل طوال العام، يهبط لما هو دون مستوى الكائنات الأخرى المحرومة من العقل، وبدون الوعي بالمنهج الإسلامي وصل لظلم البهائم حتى في فهم الطبيعة الفطرية!!!
- نتمنى أن يلتزم المسلمون بالمقاومة الرمضانية لمكافحة المسلسلات الشهوانية العلمانية كما تلتزم حكومة الثورة بضرورة الحفاظ على كل ما يدعم هوية وثقافة الشعب المقررة دستوريًّا.
-----------------
رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوارhassanelhaiwan@hotmail.com