حقًّا.. إن البطولات التي جرت على مدار التاريخ في أرض الشام لم تكن فلتاتٍ يضِن بها الزمان فحسب، بل هي أمرٌ متأصلٌ في هذه الأرض لِتُنبت على الدوام رجالاً أحرارًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فقَدَر الشام أن تكون قائمةً على واحدةٍ من أهم بوابات بلاد المسلمين، وستظل حارسةً له من أعداء الأمة بالداخل والخارج ما دامت في الأرض حياة.

 

يقينًا.. إن قبور العظماء في الشام لا تضم إلا أحياءً عند ربهم يرزقون يعلمون بسيرتهم من حولهم أن لا عيش إلا بكرامة، وأن طلب الموت يُوهب الحياة، وأن دعوات جوف الليل سهامٌ لا تخطئ الأهداف، بيد قد تصيبها أو تخطئها الرميات في الميدان.

 

شعبٌ حر.. صبر عقودًا على القمع والتنكيل، ثم خرج مطالبًا بالحرية، ولم يَفُت في عضده أن تخطفت كلاب الأرض الشَريفات بسوريا، وأن قدم عشرات الآلاف من الشهداء، وأكثر من ذلك العدد جرحى ومعتقلين، وأن هناك قرى هُدِمت على أصحابها، ومزارع أُحرِقت، ومئات الآلاف من الآمنين شردوا.

 

جيشٌ حر.. علم جنود العالم أن شرف القوي في أن يحمي أهله ويذود عنهم، وأن الموت يَعْذُب فداءً للحمى، وأن بئس الميتة ميتةٌ في صفوف زبانية الظالمين.

 

شعبٌ حر وجيش حر.. لا زالا يُثْبِتان أن التوكل على الله والاعتماد على النفس وتقبل معونة الأشقاء والاستنصار بدعاء المخلصين هُنَّ أسباب النصر.

 

شهر انتصاراتٍ وأيامٌ مباركات.. هَلَّت تحمل في طياتها بشائر النصر؛ فقد سقطت قيادات من النظام الأمني المجرم، وبدأت معارك تحرير المدن الكبرى، والعديد من المدن الصغرى قد حُرِرَت، وأضحى الكثير من المنافذ الحدودية في يد الجيش الحر، وها هو النظام يتلقى الضربات الموجعة تلو الضربات.

 

انتصاراتٌ ترسل الوعيد تلو الوعيد لكل من اغتصب سلطةً في غفلةٍ من الزمان، ولكل من نهب مالاً؛ حيث استأمنه أهله، ولكل من ماطل في أداء حق شعبٍ؛ أن غضب الشعوب- وإن هادنت أحيانًا-  كالموجات المتصاعدة تبتلع من في طريقها ولا يُوقفها أحد.

 

أحداثٌ تقول إن فرض النظام للعنف- بعد أن هبت رياح التغيير وذهب الخوف من الناس- عملٌ أحمق؛ حيث سيكون النظام أبرز ضحاياه؛ فسبيل النجاة للظالمين هو المبادرة بإعلان التوبة وسرعة رد المظالم عسى أن يكون في الوقت فسحة.

 

أيامٌ حبلى ستضع عند مخاضها أنَّ للظالمين نهاية وإن كَثُرت العسكر وفَحُشت الأموال وملأت الأكاذيب الأسماع وتغنى المنافقون للأمجاد الزائفة.

 

نعم.. تلوح نسائم الانتصارات، ولكن هناك الآن أناتٌ وصرخات، هناك أكبادٌ جائعةٌ وأطفالٌ بلا مأوى، هناك نساءٌ قد ترملت، وأبناءٌ قد تيتمت، وأعراضٌ قد انتهكت، هناك آلة حربٍ جهنمية تقذف بالطائرات والصواريخ والدبابات، لا تفرق بين صغيرٍ أو كبيرٍ ولا بين مدنيٍ وعسكريٍ، هناك عذاب دام ألمه لأكثر من عامٍ ونصف.

 

لقد أدى الشعب السوري الكثير والكثير لرفع الظلم عن بقعةٍ غاليةٍ من أرض العرب والمسلمين بل بقعةٍ غاليةٍ من أرض العالم أجمع، وتحمل ما لا يطيق تحمله شعبٌ آخر، وهو يمر الآن بأعصب هذه الأيام وأشد لحظاتها وطئًا كما يظهر لنا بالفضائيات ووسائل الإعلام؛ فالذئب يكون في أشرس حالاته إذا جُرِح، والسوريون الآن في أَمَس الاحتياج لتقديم العون من الشرفاء.

 

نقول لإخواننا في سوريا اصبروا وصابروا وانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن قوتكم في وحدتكم فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واحذروا من أي تدخلٍ أجنبي فسوريا غنيةُ برجالها وكوادرها وليست في حاجة لوصاية أحد. ولتكن أعينكم كذلك على بناء دولتكم؛ دولةٍ ديمقراطيةٍ تحمل هوية أرضكم لا طائفية ولا مذهبية، يُكرم فيها الإنسان.

 

ولزم علينا كعرب ومسلمين ولزم على العقلاء والشرفاء ببلاد الغرب (وهم كثير) تقديم كل دعمٍ لهذا الشعب العظيم ولجيشه الحر لوقف نزيف الدم ولاسترداد كرامته ولصلب عوده؛ ألسنا أمةً وَجَب عليها تقاسم الأعباء؟ إن لم نشعر بآلام السوريين- ونحن جسدٌ واحد- فبماذا نشعر؟ أيطيب لنا لذة عيش وإخواننا يُقتلون ويشردون؟ أما يحدث في سوريا يستوجب على العالم أجمع المسارعة لوأم الجراح التي طال نزفها؟ أليس التخاذل وصمة عارٍ على جبين الإنسانية؟

 

والحديث يُخَص للجارة الشقيقة تركيا القوية لتقديم مزيد من الدعم للسوريين، ونقول لسليل الأمراء السلاجقة وحفيد محمد الفاتح رجب طيب أردوجان: دولة رئيس الوزراء.. أحببناك- كعرب ومسلمين وشرفاء بالعالم- لنخوتك ولمواقفك الشجاعة ودعمك للمظلومين والمحتاجين بغزة والصومال، وها هي سوريا، ونريد أن نحبك أكثر.

 

والله تعالى نسأل أن ينصر هذا الشعب، ويبدل أمنه خوفًا، ويحفظه من كل سوء، وأن يعينه على بناء دولته.. سبحانه هو الغالب على أمره وهو على كل شيء قدير.

-------------

* استشاري هندسة إنشاءات.