لن يتفق المصريون على معظم الشخصيات في العهد الجديد لعشرات الأسباب بعضها يرجع إلى عدم المعرفة بهم، وبعضها يرجع إلى انفلات معايير الحكم على الناس وتراجع قيمة غالية، وهي معرفة أقدار الرجال من مصادر صحيحة، وأظن أن النظام السابق كان يحتفظ بأفضل الصفات في الملفات لأنصاره الذين تواطئوا على نهب مصر وإفسادها، بينما اختلق أبشع الجرائم إن استطاع لرجال مصر الأوفياء الذين حاربوا انحراف ذلك النظام.

 

في حالة السيولة التي تعيشها مصر من الصعب أن يعرف الرئيس أو رئيس الوزراء معرفةً كاملةً حقيقيةً كل مَن يريدون اختيارهم.

 

وإذا كان رئيس الوزراء المكلف قد أكد أن الكفاءة هي المعيار الوحيد، فإن هذا المعيار صحيح إن عثرنا على ملفات الكفاءة الحقَّة فليس كل مناضل هو الأكفأ، وعلى العكس درج النظام على طرد الكفاءات لأن عقيدته ركَّزت على تسطيح الشخصيات، ما دام النظام أصلاً عصابة تتلبس مسوح النظم السياسية.

 

هذه القاعدة كانت شائعة في كل مرافق الدولة بلا استثناء، بل إن الأسماء التي لمعت كان الطلاء الذي لمعها أمنيًّا لا مهنيًّا، فليس رئيس الجامعة أو العميد أو حتى رئيس القسم هو الأكفأ علميًّا، وإنما الأقرب إلى تطويع قطاعه لهوى النظام وسياساته.

 

وإذا كانت مهمة الحكم الجديد هي تجاوز عراقيل الحكم البائد المنتشرة أوصاله في كل القطاعات، فلا بد أن يكون أعضاء الحكم الجديد لديهم الكفاءة والمعرفة والرؤية التي تضمن إصلاحًا جذريًّا في المرفق الذي تتولاه، فتعمَّد إلى أشخاصه وسياساته وبنيته التشريعية لكي تضمن أن يسير المرفق تجاه تحقيق الإستراتيجية العامة للنظام الجديد.

 

يترتب على ذلك، أننا لا نتوقع أن يكون تشكيل فرق الحكم الجديد مثاليًّا ابتداءً ولا مثاليًّا في أدائه، خاصةً أن بيئة التربص قائمة ورغبة الإفشال مستمرة، والعمل لتحقيق الرغبة بأدوات عديدة يتم في كل الأوقات.

 

المهم كيف نضمن تجنيب المرافق مكائد هؤلاء دون ضجيج، بل وربما انخراطهم في المسيرة الوطنية، فالذين بادروا إلى الاستقالة بمجرد فوز د. محمد مرسي بحجة عدم استعدادهم للخدمة في ظلِّ الإخوان يضمرون فشلاً وحقدًا على هذا الوطن في الغالب لأن خدمة البرنامج هي خدمة مصر، وإن جنا الإخوان بهذا النجاح ثمارًا يستحقونها بشرط أن تكون الثمار أثرًا من آثار التوجه الوطني للبرنامج.

 

في هذا المناخ أعتقد جازمًا أن النظام الجديد ليس بحاجةٍ إلى موظفين يطيعون وقد ألغوا شخصياتهم ورؤيتهم؛ لأننا لسنا بحاجةٍ إلى رجال الرئيس، وإنما نحن بحاجةٍ إلى رجال حول الرئيس، كلُ قامةٍ في ذاته، وبهم جميعًا تنهض خيمة الوطن.

 

وقد تذكرتُ في هذا المقام كتاب الراحل خالد محمد خالد "رجال حول الرسول" صلى الله عليه وسلم فلم يكن للرسول رجال، وإن كان كل الشرف أن يكون المسلم من أتباعه ومريديه، فبغير ذلك لا يكتمل إيمانه، ولكن مدرسة النبوة أنشأت رجالاً حول الرسول يفاخر بهم الرسول، بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ ذلك هو العلاج لحالة مصر الراهنة، كما أنه الطريق الصحيح لمحاربة صناعة الفرعون الذي تنافقه الخراف البشرية، بل إن هذا العلاج هو المطلوب لاقتلاع بقايا الظاهرة في الإدارة والحكم في مصر، وهذا العلاج هو الذي يضمن التنشئة الديمقراطية ما دامت حرية الاختلاف حول مؤشر المصلحة الوطنية مكفولة، إنهم يخدمون مصر في إدارة محمد مرسي، وليسوا جنودًا في كتيبته ينافقونه حتى يسقط في الخطأ والخطيئة.

 

وهذا بالضبط هو المفهوم الذي قدمته في ظلِّه للإخوان ولمرشحهم كل ما أملك من دعم لتحقيق هذا الرجاء، فالراية الوطنية يجب أن تكون مقصد الجميع، وأن الانحراف عنها يجب التنبيه إليه ورفضه فلا قداسهَ لأحد إلا مصلحة هذا الوطن.