 |
|
د. عبد التواب بركات |
يعتبر الخبز الغذاء الرئيس لمعظم سكان العالم وفي المقدمة منها مصر، وفيها يسمي بالعيش من العيش يعني الحياة ومن قديم يقال الخبز هو الحياة. وهو مصدر أساسي للبروتين والطاقة في الدول النامية ويعتمدون عليه في مليء البطن واقامة الصلب لأن اللحوم غالية الثمن بعيدة المنال وهو يكفيهم نصف حاجتهم من البروتين اليومي ويسد عنهم 70% من الطاقة. يعتبر القمح وهو المادة الاساسية في صناعة الخبز سلعة سياسية قبل أن يكون سلعة غذائية، بغض النظر عن توفر ثمنه لأن البشر لا يأكلون الأموال علي كل حال.
فيقول السياسي الفرنسي ميرابو، الكونت دي (1749- 1791م( إن جميع مشاكل السياسة تخرج من حبة القمح، ويقول برنارد شو "السعادة مثل القمح ينبغي ألا نستهلكه إذا لم نساهم في إنتاجه"، وفي عام 1943 أجاع تشرشل متعمداً سكان ولاية البنغال الهندية بحظر توصيل القمح والأرز إليهم بمنع الأسطول التجاري البريطاني الذي كان في استراليا من حمل المواد الغذائية إلى الهند لأسباب واهية وأهداف خبيثة أدت إلى موت ثلاثة ملايين ونصف مليون هندي لتقويض حركة استقلال البلاد، وفي عام 1973 منع الملك فيصل البترول عن الغرب من أجل القضية العربية العادلة فرد كسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة بقوله " سنعطيهم بكل قطرة بترول حبة قمح".
إذًا علينا أن ننظر إلي القمح ليس علي أنه غذاء فقط ولكن علي أنه سلاح أيضا ويجب أن نمتلك هذا السلاح ونكتفي به ذاتيا حتي لا نضار في حريتنا أوحياتنا. ولا يمكن أن يقتنع عاقل برأي صناع السياسات الزراعية عندنا عندما يقولون أن الاكتفاء الذاتي هو تأمين الغذاء ولا فرق بين أن نشتريه أو ننتجه. وما يكذب هذا الرأي أن روسيا أوقفت تصدير القمح لمن يملك ثمنه ومن لا يملكه عندما أتت الحرائق علي محصول القمح عندهم.
النقاط الحرجة:
1- النقل والتخزين في الشون الترابية.
2- تسريب الدقيق من المخابز للعلف الحيواني ومصانع الحلويات.
3- منظومة توزيع الخبز.
4- غلاء واحتكار الأعلاف.
5- النمط الغذائي للمصريين 180 ك قمح/ سنة واحتكار تجارة الأرز.
منظومة الخبز في مشروع الـ100 يوم
1- مراجعة تكلفة الخبيز بخفض وزن الرغيف ل 100 جرام.
2- ضبط الجودة بسحب الحصة لأقرب فرن عند المخالفة.
3- ضبط التوزيع باللجان الشعبية.
4- دعم الخبز بدلا من دعم الدقيق.
مراحل الاكتفاء الذاتي في سنتين
1- مرحلة التحضير: شبكة الصوامع العملاقة (من الان لمدة سنتين)، إكثار تقاوي غزيرة الانتاج مبكرة النضج (موسم 2012/ 2013)، توفير الميكنة الزراعية (من الان لمدة سنتين).
2- مرحلة التطبيق: سعر محفز (يونيو 2013)، توزيع التقاوي غزيرة الانتاج مبكرة النضج (أغسطس 2013) بنظام محافظة الصنف، وحملة ارشاد وتوعية.
3- مرحلة التوكل على الله والانطلاق للإكتفاء الذاتي: موسم 2013، 2014.
واقع القمح المصري الآن:
تستهلك مصر 16 مليون طن قمح سنويا، 9 ملايين طن منها تستهلك في إنتاج رغيف الخبز البلدي المدعم، تم انتاجها هذا العام تقريبا و7 ملايين أخري سوف نستوردها بالكامل تستهلك في المكرونة والحلويات والخبز الافرنجي. تدعم الحكومة رغيف الخبز بخمسة عشر مليار جنيه سنويا. وتحتل مصر للأسف المرتبة الاولي كأكبر مستورد للقمح في العالم وتحدد الدول الموردة للقمح وفي مقدمتها الولايات المتحدة سعر القمح حسب إنتاجية مصر فيزيد السعر العالمي له بإنخفاض الانتاج المصري والعكس وتضار جراء ذلك دول فقيرة كثيرة. كما يستهلك المواطن المصري 180 كيلو جرام قمح في العام مقابل 80 كيلو للفرد في المتوسط العالمي.
ولمناقشة هذه المشكلة ودراسة إمكانية حلها لابد من تحليل النقاط الحرجة عبر مراحل إنتاج حبة القمح حتي يصل رغيف الخبز إلي المستهلك في بيته.
أولاً: الزراعة:
في التنمية الافقية، نحتاج أن نزرع 5 ملايين فدان تنتج خمسة عشر مليون طن قمح هي كل احتياجاتنا الان (تحت ظروف الاستهلاك الحالية) حتي نتخلص تماما من هذا الكبوس المزعج ونكتفي ذاتيا من القمح. زرعنا هذا العام 3,3 مليون فدان أنتجت 9 مليون طن بمعدل 20 أردب للفدان، وهذا يعتبر طفرة غير مسبوقة في المساحة والكمية والانتاجية ولكن ما زلنا نحتاج الي زراعة 1,3 مليون فدان اخري كتنمية أفقية. ويمكن أن نصل الي هذه المساحة من خلال عدة اجراءات أهمها أن يتم الاعلان عن سعر استلام محفز لمحصول العام القادم من الان وليكن 430 جنية بغض النظر عن السعر العالمي وهو ما يعرف بسياسة التحفيز السعري وهو نظام معمول به في الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ودول كثيرة لتشجيع فلاحيها. إن سياسة التسعير المجحفة بالفلاح المصري, عماد اقتصاد هذا البلد, بخفض سعر استلام القمح يجعله ينصرف لزراعة محاصيل أخري أكثر ربحية مثل البرسيم و الكنتالوب وبطيخ اللب و الكاكِي, في وقتٍ تدعم فيه الحكومة المصرية الفلاح الأمريكي بشراء القمح منه بسعر أعلي من المدفوع للفلاح المصري.
هذا النظام سوف يرفع عائد فدان القمح مقابل البرسيم والفواكه في ارض الوادي القديم مما يشجع الفلاح المصري ذاتيا ليزرع مساحات قمح اضافية علي حساب البرسيم الزائد عن الحد بمعدل 300 ألف فدان تنتج مليون طن قمح اضافية، هذا السعر سوف يشجع الفلاح ليقتطع من مساحات الفاكهة المنخفضة الانتاجية والجودة في الارض القديمة، بالاضافة الي محصول اخر صيفي بعد القمح لم يكن يحصل عليه الفلاح في حالة الفاكهة . كما ان هذا السعر سوف يشجع استثمار الشركات الكبري والمصريين بالخارج في هذا المجال والامال عليهم منعقدة للمساهمة بفاعلية في حل هذه المشكلة القومية من خلال انشاء شركات استصلاح مساهمة وقد أبدوا بالفعل استعدادهم لذلك هذه الزيادة السعرية تكلف الدولة 750 مليون جنيه فقط في حين يضيع أكثر من ضعف هذا المبلغ في سوء النقل والتخزين فقط وتدفع الدوله أضعافه لمحتكري استيراد القمح بالغش والتدليس عندما تدفع لهم سعر القمح الجيد وتستلم منهم القمح الرديئ . ولا بد من انـهاء احتكار العلف الحيواني حتي ينخفض سعره فيقل الضغط علي القمح والخبز المتسرب لعلف للحيوان. وأحب أن أقول أن سعر العلف سوف ينخفض بنسبة 30% علي الأقل عند كسر احتكار العلف من جانب الخمسة الكبار. مع تنمية مراعي الساحل الشمالي ليعتمد علي نفسه لمنع استخدام القمح والخبز المدعم كغذاء للحيوانات في هذه المناطق حيث إن سعر الردة و النخالة 1600 جنيه للطن أما سعر الدقيق المدعم للخبز البلدي 160 جنيه للطن.
وفي التنمية الرأسية يمكن زيادة إنتاجية الفدان باستنباط أصناف تقاوي عالية الانتاج ومبكرة النضج ومقاومة للأمراض وعوارض الانتاج كالاجهاد البيئي باستخدام طرق التربية الكلاسيكية والتكنولوجيا الحيوية وذلك لتوفير 150 الف أردب للتقاوي في وقت ومكان الزراعة المناسبة. ولدينا كوادر وخبرات واعدة في هذا المجال في مركز البحوث الزراعية تنتظر أن تشارك بجد في هذا المجال حبا لمصر. لقد نجح علماء مركز البحوث الزراعية من خلال برنامج القمح استنباط أصناف مبكرة النضج تحصد في شهري أبريل ومايو بعد ان كان الحصاد في يونيو ويوليو في ستينات القرن الماضي ولو نجحوا في استنباط أصناف مبكرة النضج تحصد في مارس وأبريل لأمكن إضافة مساحة قمح بدل برسيم التحريش في دورة زراعية جديدة عبارة عن قمح يعقبه قطن.
ويجب أن نعترف بنقص المصروف من قِبل الدولة علي البحث العلمي لاستنباط أصناف عالية الإنتاج ذات فترة نمو قصيرة تتحمل الملوحة والجفاف.
تبني الدولة لمشروع قومي يتضمن تصنيع الآلات الزراعية لخدمة القطاع الزراعي بالأراضي القديمة والجديدة وهذا أمر ممكن تحقيقه بسهولة و هو ما يوفر المزيد من فرص العمل وزيادة غلة الفدان. ولدينا خبرات وأُصحاب رؤية في وزن الدكتور زكريا الحداد أستاذ الميكنة الزراعية بجامعة بنها. أيضا يجب توفير الأسمدة بسعرها الحقيقي علي الأكثر وحماية الفلاح من هذه المافيا السوداء حتي تقل تكلفة الانتاج علي الفلاح ويزيد العائد المجزي له في نهاية الموسم.
ثانيًا: منظومة النقل والتخزين:
النقل والتخزين من أكبر النقاط الحرجة في منظومة القمح المصري. قدرت الدراسات المختلفة كمية الفاقد من القمح نتيجة النقل والتخزين السيئ بـ 11% من إجمالي القمح المستخدم بما يوازي 1 مليون طن قيمتها 3 مليار جنيه سنويا، نتيجة استخدام سيارات نقل غير مجهزة يتساقط منها القمح علي الطرق السريعة والسكك الحديدية منذ خروج القمح من الحقل أو الميناء حتي يصل الي شونة التخزين أو الصوامع ثم المطحن ثم المخبز. وتستطيع أن تري القمح علي حواف هذه الطرق وقد نبت وطرد سنابله كدليل للاهمال الشديد في منظومة نقل سلعة استراتيجية مثل القمح. كما يترك القمح في الشون عرضة للشمس والطيور والمطر والحشرات والصرف الصحي والزراعي ومأوي للكلاب والقطط والسرقة. ثم يقوم أمين الشونة بتجريف جزء من أرضية الشونة وخلطها بالقمح لسد العجز في الكمية ما يشكل غش في الكمية وتدهور في الجودة. هذا في الوقت الذي يتم تخزين القمح المستورد المنخفض الجودة أساسا في صوامع حديثة مجهزة.
في مصر لدينا 396 شونة تتبع بنك التنمية والائتمان الزراعي معظمها ذات أرضية ترابية وغير مظللة تستوعب 3,5 مليون طن من القمح المصري بدرجة نظافة 22,5 قيراط.
تقوم الدولة من خلال الشركة المصرية القابضة للصوامع والتخزين بإنشاء 50 صومعة سعة 30 ألف طن أنجزت 25 منها وما تملكه الشركة العامة للصوامع والتخزين لا يكفي أيضا لتخزين القمح المصري والاولوية للقمح المستورد الذي يستخدم معظمه في الفينو والمكرونة والحلويات .
نحن بحاجة إلي إكتتاب في مشروع قومي ضخم لانشاء صوامع حديثة تستوعب 12 مليون طن قمح طول العام يشارك فيه المصريين في الداخل والخارج والبنك الاسلامي للتنمية ويكون النولون بنسبة شهرية من قيمة القمح المخزن في الشهر لتشجيع المشروع الذي سوف يوفر مليون طن قمح محلي تضيع في الشون الترابية قيمتها 3 مليار جنيه كل عام ويوفر 350 ألف فدان أرض كانت تزرع قمح ليضيع في هذه الشون. هذا المشروع هو أهم خطوة الان في حل مشكلة القمح ويجب أن يبدا الان حتي نستطيع وقف القمح المفقود كل عام والذي يبلغ 11% من الانتاج واستيعاب الزيادة في الانتاج المتوقع. هذه الصوامع يتم إنشائها حول المدن الكبري من الخارج بعيدا عن التلوث والزحام وتوفيرا للنقل وبالقرب من المطاحن بقدر الامكان.
هناك مشكلة أخري عندما يتم استيراد قمح منخفض الجودة ثم يورد للشون علي أنه قمح مصري للاستفادة من فارق السعر في الوقت الذي يتم التشديد فيه علي درجة نظافة القمح المصري لتكون 22,5 قيراط، ولو تم تخفيضها ل 22 قيراط فقط لتم توريد 4,5 مليون طن أخري من القمح المصري يذهب معظمها علف للحيوان. إذن لابد من التأكيد علي جودة القمح المستورد بحيث لا يقل عن جودة القمح المصري ومنع احتكار الاستيراد الذي يتم الان من خلال موردين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.
ثالثًا منظومة الطحن:
يذهب القمح للمطحن ملوثا ومنخفض الجودة فينتج دقيق أيضا منخفض الجودة مرتفع الرطوبة لتحقيق هامش ربح لأن نولون الطحن كان 75 جنيه. ثم قامت وزارة التضامن برفعه الي 112 جنيه وهذا يمكن المطحن من تحقيق هامش ربح وجودة للدقيق والالتزام بمواصفات الجودة القياسية من رماد وبروتين ورطوبة ونعومة الدقيق الناتج. وأقترح زيادة هذا النولون في المستقبل بنسبة تماثل تكاليف غسيل قمح محلي درجة نظافته 22 قيراط ما يمكن من استلام نسبة كبيرة من القمح المحلي لاحتوائه علي نسبة من التراب الشرب وهي شوائب يمكن التعامل معها ولا تقارن بشوائب القمح المستورد التي تكون أكثر خطورة.
رابعًا: منظومة التصنيع والخبيز:
تقوم الدولة بتوفير دقيق مدعوم يكفي كل سكان مصر باعتبار أن كل السكان يشترون الخبز المدعم وأن كل القمح المدعم يتم خبزه وتوزيعه. ثم تثق الدولة بعد ذلك في مجموعة من الوكلاء للإنابه عنها في توزيع هذا الخبز لكل الشعب. وفي الواقع يتسلم الخباز الدقيق من المستودع بسعر 16 جنيه وينتج 1000 رغيف يبيعها بـ 50 جنيه ويكلفه نقل وعماله وسولار وخميرة وكهربا ء وماء 38 جنيه فيخسر 4 جنيهات في كل جوال يخبزه فإذا باعه مهربا ربح 180 جنيه وإذا خبزه وسحله وباعه تالفا باع الرغيف بعشرة قروش علف للحيوان والطيور. يتم انتاج 240 مليون رغيف خبز كل يوم باستخدام 24 ألف طن دقيق يوميا بمتوسط 2,6 رغيف لكل مواطن بسعر 5 قرروش.
ونظريا فقط يتم توزيع هذه الكمية علي كل المواطنين في مصر. ولكن الواقع علي الارض يقول أن نسبة عدد غير كبير هي التي تواظب علي شراء الرغيف المدعم للاستخدام الادمي لانخفاض الجودة والوقت الطويل في طابور الخبز الذي قدرته دراسة لبرنامج الغذاء العالمي مع مركز القاهرة الديموجرافي بـ 33 دقيقة يوميا. وتستطيع أن تصعد الي بيت عالي في أي قرية أو منطقة شعبية في المدن لتري الخبز وقد غطي الاسطح ليجفف تم يطحن للعلف. يضيع من كمية الدقيق المخبوزة هذه 1,7% منه و 0,3% ردة في أرضية المخبز و1,6% في شكل خبز سحلة تالفة باجمالي 720 طن يوميا (3,6% من الانتاج) باجمالي 780 مليون جنيه سنويا من 15 مليار جنيه هو اجمالي دعم رغيف الخبز كل عام لا يذهب معظمه لمن يستحقه. اننا نحتاج تدريب الخريجين للعمل بمجال المخابز، وإنشاء اقسام للخبيز في المدارس الفنية تخرج فنيين شباب جد للنهوض بهذه الصناعة. كما يجب تطوير المخابز البلدية الي الية لتقليل فاقد التصنيع ولكن ذلك يحتاج الي تحرير المنظومة بالكامل في المستقبل بحيث تتواجد منافسة حقيقية في الجودة والسعر.
 |
|
يمكن أن نوفر 10% من القمح بانتاج رغيف خبز من دقيق 93,3% وهو أكثر صحة من دقيق 82% المستخدم الان، وهناك دراسات ناجحة بمعهد تكنولوجيا الأغذية قديمة وحديثة في هذا المجال. علاوة علي تحسين القيمة الغذائية وتحقيق فوائد صحية والوقاية من أمراض ارتبط وجودها بغياب ردة الحبوب وسماها علماء الغرب أمراض التمدن الغذائي مثل السمنة و ضغط الدم والسكر و تصلب الشرايين, وهو ما أثبتته البحوث العلمية في الغربية وقد أقرت السنة النبوية المطهرة هذا من 1400سنة, فقد ورد في صحيح البخاري أن رجلاً سأل سهل بن سعد: هل أكل رسول الله صلي الله علي وسلم النقي؟ وهو الخبز المصنوع من دقيق منخول- فقال سهل: ما رأي رسول الله صلي الله علي وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله, فقال الرجل لسهل: فهل كانت لكم في عهد رسول الله صلي الله علي وسلم مناخل؟ قال سهل: ما رأي رسول الله صلي الله علي وسلم منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله
(صحيح البخاري, باب ما كان النبي صلي الله علي وسلم وأصحابه يأكلون من حديث رقم 5413).
كما أقترح تخفيض وزن الرغيف ليكون 100 جرام بدل 120 ويذهب الفرق للمخبز مقابل الجودة وهامش ربح يمنعه من بيع الدقيق ثم تغليظ جريمة البيع لتصبح الغرامة المماثلة وترحيل الحصة لأقرب فرن، وهو ما يزيد ربحية الفرن الجديد لصالح العملية الانتاجية أو تسلم الدولة الدقيق للمخبز بسعره الحر وتشتري منه الخبز بسعره الحقيقي أيضا ثم تسلمه للمواطن بسعر مدعم مضاف له بدل تغليف وتوزيع وجودة.
خامسًا: منظومة التوزيع:
تتمثل منظومة توزيع الخبز المدعم في مصر في معضلتين:
أولا: جانب العرض: تقوم الدولة بتوكيل مجموعة من الوكلاء (بنظام الاسناد) للانابه عنها في توصيل الخبز المدعم لكل من يطلبه ومن جانبها تقوم الدولة بتوفير دقيق يكفي كل المواطنين علي أساس فرضية أن 100% من السكان يشترون الخبز المدعم وأن 100% من القمح الذي تم شرائه لانتاج الخبز المدعم يتم خبزه وتوزيعه.
ثانيا: جانب الطلب: يمثل هذا الجانب المواطن المستهدف من منظومة الخبز المدعم وهو صاحب هذا الحق. ولكن في الواقع لا تعطي الدولة صاحب الحق هذا أي شيء لاثبات حقه أذا ضاع عليه حقه في هذا الخبز، كما لا توجد تغذية مرتدة تؤكد أو تنفي وصول هذا الحق لمستحقيه. وقد أدي نظام الاسناد هذا الي غياب المنافسة بين المخابز في الجودة و السعر وطالت طوابير الخبز وتسرب الدقيق والخبز المدعم الي علف الحيوان.
وتقترح وزارة التضامن أن يتم توزيع الخبز من خلال كروت ذكية مماثلة لبطايق السلع التموينية وكوبونات ورقية ومعدنية واستخدام الرقم القومي للوصول لمستحق الدعم وربط كل مجموعة من السكان بنطاق مخبز معين وفصل التوزيع عن الإنتاج. ولكن هذا في الواقع يرحل النقطة الحرجة للاستيلاء علي الدعم من المخبز الي التوزيع ويتسرب الخبز المدعم مرة أخري الي علف الحيوان والبيع الحر والمطاعم.
ولكن يمكن اقتراح حل اخر مؤقت يتمثل في تغيير منظومة الدعم من دعم الدقيق الي دعم للخبز، ويتم ذلك بتسليم الدقيق بسعره الحقيقي للمخبز ثم يتم استلام الرغيف الجيد فقط بسعر حقيقي وبهامش ربح مناسب ثم يتم توزيع هذا الخبز للمواطن بسعر الدعم ومغلف وبدون زحام. وهذا النظام يمنع تسرب الدقيق ويرفع جودة الخبز ولكنه في نفس الوقت يظل باب تسريب الخبز المدعم مفتوح طالما أن القاعدة تقول أينما وجد الدعم وجد الفساد. ويمكن تلافي هذه الثغرة الان من خلال وجود رقابة مستمرة من اتحاد القوي الوطنية أو اللجان الشعبية لاستلام الحصة بالكامل وعدم تسريب جزء من حصة الدقيق أو الخبز من المخبز أو أثناء التوزيع كما هو حاصل بقوة الان.
سادساً منظومة الاستهلاك والنمط الغذائي:
الاستهلاك والنمط الغذائي هي أهم وأخطر النقاط الحرجة في منظومة القمح المصري. حيث يبلغ متوسط استهلاك الفرد المصري من القمح سنويا 180 كيلوجرام في مقابل 80 كيلو جرام للفرد في المتوسط العالمي. ولو انخفض هذا الاستهلاك بمعدل 40 كيلو فقط لوفر 3,6 مليون طن ومساحة 1,2 مليون فدان أرض زراعة. وهذا ممكن من خلال تخفيض الضغط الاستهلاكي علي الخبز عن طريق توفير بدائل الم كما يهدر المواطن المصري 6,5% من خبزه في صناديق القمامة ما يشكل 0,6 مليون طن قمح أو انتاج 200 ألف فدان. كما يجب الاهتمام بالتربية السلوكية و الأخلاقية للمستهلك بخطورة إهدار الخبز في سلة القمامة و تغذية الحيوانات والطيور عليه من خلال الإعلام الهادف و برامج الإرشاد. وتفعيل حقيقي لمشروع فصل الإنتاج عن التوزيع، وفرض رقابة صارمة على المخابز؛ لمنع تسرب الدقيق والغش في إنتاج الرغيف، وعمل مراجعة شاملة للاشتراكات بالتعاون بين التموين واللجان الشعبية في القرى، ووضع قاعدة بيانات حقيقية للمشتركين منعًا لازدواجية الاشتراك.
وفي الختام نستطيع ان نقول أننا نستهلك 16 مليون طن ننتج منها 9 مليون طن ونستورد 7مليون، وقد لا نجد المصدر إذا حدثت بعض الكوارث من جفاف كما في روسيا وفيضانات كما في أمريكا. تحتاج هذه الكمية 5,3 مليون فدان نزرع منها 3,3 مليون ونحتاج 2 مليون أخري. ولكن المعادلة تقبل بعض المدخلات، فالفاقد الكلي في الحصاد والنقل والتخزين والتصنيع والتوزيع والاستهلاك يصل الي 30%، اذا أمكن منع هذا الفقد فاننا سوف نحتاج فقط 10,5 مليون طن قمح تزرع في 3,5 مليون فدان فقط نزرع منها 3,3 مليون ونحتاج 0,2 مليون أخري فقط وهي موجودة بالفعل. وهناك أمل أخر وهو أن نخفض متوسط الاستهلاك السنوي للفرد من 180 كيلو ليكون 140 كيلو مثلا، وهو لا يزال أعلي من المتوسط العالمي بـ 60 كيلو علي كل حال، وهو ما سوف يوفر 3,6 مليون طن أخري، وهذا ممكن بمنع احتكار والاتجار بالارز وتخفيض سعر العلف والبدء في انشاء شبكة الصوامع العملاقة بمناقصة عالمية حقيقية وبذلك نكتفي فعلا من القمح والخبز المصري ويقينا الله شر المذلة وهذا ممكن وعسي أن يكون قريبا وإن شاء الله قريبا جدا.
------------
* باحث أول بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية
قسم الخبز والعجائن الغذائية
01004512347