لعله "المنهج".. ذلك الضاغط الذي فرض على "الإخوان" دائمًا خيارات صعبة، ويكفيك أن تنظر خلفك عبر العقود الثمانية الماضية ليدهشك أن "الإخوان" في كل تضاريس العمل العام...قد انحازوا دائمًا للمواقف الصعبة.

 

انظر معي إلى:

أولاً: فهم "الإخوان" للإسلام والدعوة إليه:

فمنهج "شمولية الإسلام" الذي قدَّمه "الإخوان" كان حدثًا فارقًا بين أفهام شتى للدين، انشغلت فيه الأمة بالفروع عن الأصول، ووجد أكابر العلماء ما يمنحهم رضًا كاذبًا- أحيانًا- يلهيهم عن واقعٍ مؤلم دائمًا، ليأتي "الإخوان" ويعلنوا هدفهم الأسمى المتمثل في "أستاذية العالم"، في وقت كانت "الأستاذية" غاية تتنازعها زعامات غربية وقفت على جسد الدولة الإسلامية معلنةً وفاتها، ورافعةً لرايات جديدة تحكم العالم من "إيطاليا" و"ألمانيا" و"أمريكا"، وكان مدهشًا أن يستجيب الشعب "للإخوان"، بينما يتردد الكبراء وتتهيّب القيادات السياسية من هذا الوافد الجديد، وكان طبيعيًّا أن يتنبه "الغرب"، ويسكت الكلام عندهم، حتى يدركوا غايات "الدعوة والداعية", ومدى خطورة "الدعوة" وجدية "الداعية" في الوصول إلى الغاية المرسومة في ذلك المنهج المعلن.. فقاوموه.

 

كانت الاختيارات أمام "البنا" كثيرة ومتشعّبة، ولم تزلّ قدم الرجل, ولم تشغله أضواء النجاح عن حقيقة هدفه الأسمى (والأصعب).. الذي تسبب في ابتلائه وأحبابه ودعوته، وترك دنيانا مُصرًّا على هدفه, وشهيدًا في سبيله.. "أستاذية العالم"؛ ليصبح حلم الأمس أملاً مشروعًا لأبناء الدعوة اليوم.

 

ثانيًا: مقاومة أم سياسة أم تفاوض؟

نشأت الدعوة في ظلِّ احتلال جاثم على الوطن، وأسفر نجاحها عن خيارات وفرص عديدة أمام "الإخوان", أولها الإصلاح عبر السياسة، وثانيها الدخول في تفاوض مع الإنجليز، وثالثها المخاطرة بمقاومة الاحتلال، وكان يشاع على الاحتلال الإنجليزي أنه "استعمار راق" يمكن الاستفادة من وجوده حضاريًّا ومدنيًّا، بل والحياه المشتركة معه، كما كانت "بريطانيا العظمى" صاحبة سيادة في البر و البحر، تجعل مقاومتها ضربا من الجنون،  لكن "الإخوان" انحازوا للمقاومة العسكرية لإجلاء المحتل، و انضموا الى صفوف المجاهدين،  حتى كتبت الصحف الإنجليزية : "إن الإخوان مرّغوا وجه حكومة صاحب الجلالة في الوحل".

 

 ثم كان الاختيار الأصعب من كل الوجوه، حين بدأت العصابات اليهودية تتنادى لاحتلال "فلسطين"، و لم يكن لدى "العرب" جيوش نظامية، فكان أن تشكلت "هيئة عليا لمناصرة فلسطين" بقيادة أمين عام جامعة الدول العربية "عبد الوهاب باشا عزام" و كان في عضويتها "الإمام البنا"، و أشرف "الإخوان" على إرسال جيش مدرب من عشرة آلاف متطوع، ليحاربوا القوى العالمية متمثلة في العصابات الصهيونية . و كان يكفى "البنا" وقتها أن يذهب "لأوربا" و "أمريكا" ليخاطب الساسة والشعوب، لكنه أدرك أن مرحلة الخطاب و السياسة قد أدّاها "الزعيم مصطفى كامل" باقتدار, ومنذ زمن، و أتى وقت "تقديم الدماء" فكان "الاختيار الصعب"، و من يومها أصبح الثأر كبيرا من الصهيونية العالمية تجاه "الإخوان" ... لأن "البنا" أخطأ في حقهم الخطيئة الكبرى !!، حين "خطف" قضية "فلسطين" من (غرف السياسة المغلقة) و ألقاها في (يد الشعوب) التى ليس من طبعها التفريط ولا المساومة على مقدساتها و ثوابتها، و حاولت "أوروبا" و"أمريكا"  كثيرا أن تعيد القضية إلى أروقة المفاوضات ودهاليز المعاهدات مستغلة عنصر الزمان وضعف الأنظمة، و اختلاف موازين القوى، لكنهم دائما يجدون "الإخوان" مع الوطنيين في اصطفاف جهادى مثّل حجر عثرة في مسار المساومات، حاولوا في "كامب ديفيد" فضحى  "الإخوان" بعلاقتهمالطيبة مع "السادات"، ورفضوا التهاون و تمسكوا بثوابت الأمة ومقدساتها وحقوقها،  فانقلب عليهم "السادات"، ثم صمدوا في وجه الاتفاقيات السبعة التى رعاها "مبارك"؛ و التى بدأت "بأوسلو" و إنتهت "بالواى ريفر" وانحازوا (للموقف الصعب) ؛ موقف الشعوب و المقاومة والتضحيةبالدماء, وأدهشوا العالم بتكتيك حربى جديد إسمه (العمليات الاستشهادية),و رفضوا التفاوض إلا بشروط مسبقة تؤكد الحقوق.

 

ثالثا: بين المعارضة و الموالاة

كان "الإخوان" يستطيعون الخروج من  حالة الأزمة بعد محن العهد الناصرى، وكانت العلاقة طيبة مع السادات، فلم يقبلوا أن يقتربوا من أى مشاركة في الحكم و هم لم يبدأوا مراحل دعوتهم من جديد، بل وبدأت العلاقة طيبة مع "مبارك"، و سنحت الفرصة كبيرة أمامهم مع بداية ظهور"جماعات العنف" حين طلب النظام من "الإخوان" إدانة هذا العنف، ولكن "الإخوان" أدركوا أن النظام يريد استخدامهم "كمخلب قط" لتصفية هذه الجماعات بدلاً من الحوار معهم وسماع أفكارهم، ورغم المنهج الرافض للعنف إخوانيًّا، إلّا أنهم أصروا على توجيه اللوم للنظام ومظالمه التى تفرز طاقات عنف في مواجهته، وأعلن "الإخوان" أن الخطأ لاينفرد به هؤلاء الشباب وإنما هم نتائج لانتشار الاستبداد، والأولى أن يعود النظام لمبادئ الحكم الرشيد لتستقيم معارضته.

 

ثم  كانت الفرصة أكثر إتساعا في العقد الأخير حين ظهرت رغبة (التوريث)، وكان "الإخوان" يستطيعون جني أرباح سياسية هائلة لو قبلوا (التسوية) لصالح "التوريث"، مقابل أوضاع مميزة لهم، وكان "نظام مبارك" مسيطرًا ومتحكما ويجمع في يديه الجيش والشرطة والقضاء و الثروة، وعلاقات أمريكية وصهيونية متميزة، وينقصه الظهير الشعبى المتمثل في "الإخوان" لتتم العملية بسلاسة، لكن "الإخوان"- من جديد- اختاروا المعارضة الصريحة، وإنحازوا لحق الشعب وفئاته ومطالبه.

 

والآن يختار "الإخوان" الموقف الأصعب بالانحياز للحاكم، والانتقال من المعارضة إلى الموالاة، حيث المعارضة رفاهية في ظل وجود حاكم لا يقصف قلمًا ولا يكمم فمًا ولا يغلق صحيفة أو محطة؛ لأن هذا الانحياز في حقيقته ليس انحيازًا للرئيس حتى ولو كان مرشح "الإخوان"، ولكنه اصطفاف جهادى جديد،  لعله أشد مواجهة يتعرض لها "الإخوان"وهى معركة( بناء وطن متهدم)، تشكّل عملية إعادة بنائه ضربا من ضروب المستحيل، لذا اعتصم كثير من المخلصين بالمعارضة بزغم ضمان تقويم "الحاكم"، لكن "الإخوان" قبلوا (الوقوع في فخ التحدى) كما قال نقّادهم المخلصون، وقبلوا الدخول في معركة يمتلك فيها خصومهم كل أدوات الدولة، و هم لا يملكون إلّا إصرارهم وعقولهم و جنودهم المخلصين، وصفوفًا من الوطنيين الشرفاء، وارتكانهم على ربهم، وهم يدركون أن خصومهم قد يتلاعبون بالشعب الذين يضحون من أجله، بل وقد يؤلبونه عليهم، وهم يدركون أن الاقتراب من تطهير خزانات الفساد، هو اقتراب من الموت والهلاك.

 

وهم يدركون أن "منازعة العسكري" لإعادة السلطة للشعب هي مغامرة بتاريخهم كله، لكنهم– مع هذا- لا يحسبونها بالتاريخ ولا الجغرافيا، إنهم يحسبونها "بالمبدأ و الواجب" المبدأ يحتم و الواجب يفرض، إذن فالقرار يتحدث عن نفسه.

 

هكذا ببساطة يمكنك أن تفهم "الإخوان".

لقد اختاروا مع سبق الإصرار و الترصد، و هم بكامل قواهم العقلية!، أن يخوضوا معركة شرسة،قد يتناقص فيها مؤيدوهم حينا، ككل معاركهم السابقة، لكنهم يدركون أنه في يوم قريب سيأتي كل الأحباب وينضمون للركْب، و هم في ذلك لا يمنُّون على أحد، و لا يدعون العصمة لآرائهم ... لكنهم أصحاب منهج و رؤية و رسالة، إنهم ليسوا مغامرين، و لا متحجرين، و لا مغرورين إنهم.. فقط "إخوان مسلمون"

 

--------

Mohamedkamal62@ymail.com