هو شهر النفس البشرية، شهر الأخلاق المحمدية، شهر النظام، شهر التطبب والعلاج، كأنه الفيضان الذي تأتي به السماء كل عام لتتطهر به الأرض طول العام، أو كما قال الرافعي: "كأنه الشهر الصحي الذي يفرضه الطب في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم".

 

وإن كان الصوم نظامًا أو أخلاقًا أو طبًّا أو غير ذلك من خير؛ فإن الشارع حين فرضه فرضه على الأمة المحمدية كما فرضه على باقي الأمم السابقة؛ ما يوحي لنا بأن هذا الصوم إنما هو فرض على البشرية، فُرض لصالح الإنسانية؛ أو إن شئت فقل: فُرض لصالح استمرار الحياة.

 

ولعل سائلاً يتساءل؛ كيف لصالح استمرار الحياة وهو صوم عن المأكل والمشرب وهما من مقومات الحياة؟! لذا جاء المعنى بعدها "أيامًا معدودات"؛ أي أن هذا الصوم لا بد أن يكون على جرعات منتظمة، لا غلو فيها ولا تفريط؛ من جانب آخر يعلم الناس أن كثرة الأطعمة وحشو بيت الداء- المعدة- يزيد من نسبة السموم في الجسد، فكان رمضان مصفاة هذا الجسد ومنخله الذي ينخل به الدم فينقيه من الشوائب؛ وكل ذلك لصحة البدن واستمرار حياته، ولذا كان الصوم استمرارًا للحياة.

 

هذا للباحثين عن المادة والجسد، أما ما هو أكبر وأعظم فهو الروح، فماذا يصنع رمضان للروح؟ إن رمضان هو موقد الروح ومشعلها، وهو الذي يقوم بها لتنهض من عثرة الأيام على مدار العام، فيقيم صلبها، ويهذب أركانها، ويهديها سبيلها؛ ولذا جاءت (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

 

والوقاية والخوف من العالم الآخر في الدنيا روحانية لا ترى؛ وما دام الإنسان قد بلغ بروحه العالم الآخر؛ فقد نقت تلك الروح وسمت حتى ارتقت إلى هناك.

 

من جانب آخر دعنا نعترف أن اللسان يعود سيرته الأولى الطبيعية في هذا الشهر؛ فهو شهر استجمام اللسان الذي هو في رمضان حامل القرآن، ودابة الكلمة الطيبة، وجسر الاستغفار، وقنطرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ذلك الذكر لم يُخلق اللسان إلا له، وكأنه عاد لطبيعته وصحته بعد عافية ألمت به.

 

أما عن النظام؛ فحدِّث ولا حرج؛ فهو يبدأ بهلال، وينتهي بهلال، بينهما ساعتين: إمساك وإفطار. فقد وضع الله وحده ضوابط شهر رمضان، وربطه بروابط وشروط كونية ربانية لا دخل للبشر فيها؛ يبدأه متى شاء، وينهيه متى شاء؛ ولذا كان الصوم لله وهو يجزي به.

 

ويا لجمال الصائمين وهم يترقبون بعد الغروب كلمة "الله أكبر"، والتمر بأيديهم؛ كأنهم ينتظرون تسجيل صوم يوم جديد في سجل الصائمين؛ يتبادلون التمر بأيديهم، والكل في لحظة واحدة، وكأنهم حروف آية (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (الأنبياء: من الآية 92)، أو كأن تلك التمرة التي يضعها الصائم في فمه تقول له: هل شعرت بما يشعر به فقراء المسلمين؛ فلتكونوا أمة واحدة؛ يشعر بعضكم بألم بعض في المشرق والمغرب، كما يشعر الجسد كله بألم بعض أعضائه من الرأس إلى أخمص القدم؛ أو كأن الكون يقوم على تلك التمرة؛ أعنى يقوم على المساواة. أو من جانب آخر كأن الصوم للجسد هو الشمس التي تشرق بحرارتها على هذا العود الأخضر اللين المعوج فتقويه وتقومه وتزيد من قوة تحمله؛ لأن الدين لا يقوم بكبر البطون، بل بقوة الإيمان.

 

إن كل يوم في هذا الشهر يزيح عن الجسم ركام الأيام السابقة طوال العام، إنَّ رمضان هو فلذة كبد العام، والعام الذي يمر عليك حقيقة لا منام؛ والعاقل من ظفر بكبد الحقيقة، إن كل إنسان إذا اغتنم كل يوم في رمضان جيدًا؛ سيكون هذا اليوم هو الحبة البيضاء التي تنقيه من كل سوء مسَّه.

 

ومحروم من ورد النهر ولم يشرب، محروم من بلغ رمضان ولم يُغفر له، إن رمضان نفحة سنوية تبدأ ثم تنفض، والعاقل من أسرج روحه بسرج السباق، وبكَّر إلى ملاقاة رمضان، وكل فارس على قدر مهارته يغنم؛ فكن خير فارس لخير سباق.