من  كلام الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين قال رحمه الله:

عن عمر قال لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة، قال سألت أحمد عن هذا الحديث فقال العذق النخلة، وعام سنة المجاعة فقلت لأحمد تقول به فقال إي لعمري قلت إن سرق في مجاعة لا تقطعه فقال لا إذا حملته الحاجة على ذلك الكراهة في مجاعة وشدة.

 

وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب ثنا أبو النعمان عارم ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن حاطب أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم فقال عمر يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم فلما ولي بهم ردهم عمر ثم قال أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم وايم الله إذ لم أفعل لاغرمنك غرامة توجعك ثم قال يا مزني بكم أريدت منك ناقتك قال بأربعمائة قال عمر اذهب فأعطه ثمانمائة.

 

وقد وافق أحمد على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي وهذا محض القياس ومقتضي قواعد الرحمه فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجانًا على الخلاف في ذلك والصحيح وجوب بذله مجانًا لوجوب المواساة وإحياء النفوس.

 

وفي الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعُا" (أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) إلا أنه أورده الحاكم والترمذي عن طريق عائشة رضي الله عنها بلفظ: "ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وقال العلماء في إسناده ضعف. وقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: "ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي (التلخيصِ): قَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ. وعلماء الحديث يقولون إن تعدد الحديث من طرائق عدة يدل على أن له أصلاً وإن كان في إسناده ضعف. وهذا الحديث رغم ضعف إسناده إلا أن القول الثابت عن عمر الذي ذكرناه قبلاً يعضده ويؤكد معناه وهو يفيد أنه إذا اشتبه الأمر أو التبس على الحاكم أو القاضي فالأولى ألا يقيم الحد فعلى سبيل المثال: والسؤال هنا لأهل العلم هل يجوز في زمن يشيع فيه شراء الذمم والشهود أن تقام الحدود؟؟ فما أسهل في زمن مثل هذا أن يدعى شخص ما على آخر بارتكاب الفاحشة وما أسهل أن يأتي بشهود زور ممن يجلسون على قارعة الطريق أمام المحاكم ليشهدوا معه.

 

ومما سبق يتبين أن بعض أحكام الشريعة الإسلامية مثل الحدود قد لا يجب إتيانها (ولا أقول تعطيلها) في أزمنة معينة وفق ظروف استثنائية تمر بها الأمة مثل عام الرمادة الذي لم يجب فيه حد السرقة لانتفاء شروطه وهذا رغم ما لأحكام الشريعة الثابتة وحدودها من قدسية وهي المشرّعة من رب العالمين لا من بشر يصيب ويخطئ.

 

وبعد أن أوضحنا حال بعض أحكام الشريعة الثابتة والمؤكدة في ظل أحوال وفترات استثنائية تمر بها الأمة, نأتي لحالنا مع أحكامنا القضائية الأخيرة بخصوص مؤسسات الدولة التشريعية.

 

بداية وقبل الحديث عن الأحكام القضائية نود التأكيد على أن الفترة التي تحياها مصر من أول يوم  يناير 2011 وحتى يومنا هذا هي فترة استثنائية بكل المقاييس لأنها فترة بناء جديد للدولة بعد هدم البناء القديم الذي لا تزال أساساته وحصيرته المسلحة وخوازيقة الخرسانية موجودة في باطن الدولة حتى الآن. والأصل أن النجاح النسبي الذي تم خلال هذه الفترة حتى الآن إنما يرجع لحالة التوافق المجتمعي الحادث وإن خالف أصولاً قانونية ودستورية. نعم أعترف أن سقف التوافق هذا يرتفع وينخفض باستمرار وفق الحالة المطلوب التوافق حولها والظروف المحيطة بكل حالة على حدة ولكنه ظل موجودًا على كل حال.

 

حدث هذا بداية عندما وافقت القوى السياسية والثورية جميعها ومن خلفهم الشعب كله على مخالفة دستور 71 صراحة والقبول بتولي المجلس العسكري إدارة البلاد بعد تنحي مبارك رغم أن الدستور وقتها في المادة 84 نص على الآتي:

 

"في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية أو عجزه الدائم عن العمل يتولى الرئاسة مؤقتًا رئيس مجلس الشعب، وإذا كان المجلس منحلاً حل محله رئيس المحكمة الدستورية العليا، وذلك بشرط ألا يرشح أيهما للرئاسة ويعلن مجلس الشعب خلو منصب رئيس الجمهورية. ويتم اختيار رئيس الجمهورية خلال مدة لا تجاوز ستين يومًا من تاريخ خلو منصب الرئاسة".

 

وفي سبيل القبول بهذا الوضع قد تم التنادي حينها بضرورة التوافق بين القوى السياسية والثورية مع المجلس العسكري حيال أي قانون يخص الشأن السياسي المصري ومن أهمها بالطبع قانون الانتخابات الذي ينظم الكيفية التي ستتم بها انتخابات المجالس التشريعية. ولا ننسى كيف هددت القوى السياسية جميعها بمقاطعة الانتخابات عندما انفرد المجلس العسكري بوضع القانون وأصر على عدم السماح للأحزاب بالمنافسة على الثلث الفردي من مقاعد مجلس الشعب لأنهم رأوا أن القانون بهذا الشكل يعيد إنتاج النظام القديم وهو ما لا يقبل به الشعب الذي قام بثورته للتخلص من هذا النظام الفاسد وأذنابه.

 

وفي هذا الأمر يمكنكم مراجعة هذا التقرير المنشور حينها على الرابط التالي:

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=501368&SecID=12&IssueID=109

وبالفعل رضخ المجلس العسكري للضغوط وقبل بالحوار حول القانون حتى تم تعديله والسماح للأحزاب بالمنافسة على الثلث الفردي من المقاعد وفق التعديل الذي أصدرته لاحقًّا حكومة الدكتور شرف.

 

وعلى هذا فالنص المعيب الذي استندت إليه المحكمة الدستورية في حكمها بحق مجلس الشعب، وهو ما قد يتكرر لاحقًّا مع مجلس الشورى إنما هو محصلة هذا التوافق المجتمعي بين المشرع حينها (المجلس العسكري) والقوى السياسية والثورية جميعها ودعم هذا التوافق الشعب المصري نفسه الذي خرج ليشارك في انتخابات مجلس الشعب بأعداد تجاوزت الثلاثين مليونًا، وهو العدد الذي فاق نظيره في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

 

وعلى هذا نقول إن الاستناد لأحكام قضائية وضعت للظروف الطبيعية في هذه الفترة الاستثنائية من تاريخنا وتم على إثرها حل هذه المجالس المنتخبة شعبيًّا إنما هو الحق الذي أريد به الباطل. فلا جدال أن الاحتكام إلى القضاء حق وإنما إحداث هذه الحالة من التفكك المجتمعي والفراغ التشريعي الناتج عن حل المجالس المنتخبة مع ضياع المليارات التي أنفقت في الانتخابات لهو الباطل بعينه.

 

ولكن إذا وضعنا في الخلفية ما يثار عن قضاة المحكمة الدستورية وارتباطهم بنظام مبارك أو ما نشر في الجرائد الغربية على لسان أحد أعضائها من اتفاقهم مع المجلس العسكري على إبعاد الإسلاميين من الساحة، فإنما يصبح الاحتكام لأحكام الدستورية هو الباطل نفسه.

 

وختامًا نقول إنه إذا كانت الأحكام الشرعية القطعية الثبوت القطعية الدلالة يمكن ألا تطبق في ظل فترات استثنائية تمر بها الأمة, أفلا يجوز هذا بحق بعض الأحكام القضائية الذي يغلب الضرر الناتج عنها على الفائدة المرجوة منها!!

 

ثم إن المرء لتصيبه الدهشة من حال بعض القوى العلمانية واليسارية التي طالما لم تحدثنا عن الإسلام إلا وذكرت سماحته ولين أحكامه ودائمًا ما شنفت آذاننا أن التشدد ما هو إلا مبادئ دخيلة على الإسلام (على حد زعمهم). فأين أنتم من سماحة الإسلام هذه المرة؟ وأين أنتم من تساهل الإسلام بحق بعض الأحكام في الفترات الاستثنائية التى تمر بها الأمة؟ ثم أليس الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعًا من طريق عائشة رضي الله عنها: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" طالما تستدلون به في وجه من يحدثكم عن الحدود؟ فلماذا ننسى هذه القاعدة في حكم المحكمة الدستورية الخاص بالمجالس النيابية المنتخبة!!!

 

ألم يكن من الأولى قياسًا على قاعدة العفو هذه أن تؤجل المحكمة حكمها حتى تستقر البلاد سياسيًّا وتنفض عن نفسها غبار الفترة الانتقالية وهذا بفرض تسليمنا بصحة الحكم وعدم تسييسه وخصوصًا أن لدينا مادة كاملة في الإعلان الدستوري المستفتى عليه تفيد أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع!! أم أن ما ذكرناه لا يعد من مبادئ الشريعة؟؟

----------

*للاستزادة يمكنكم مراجعة الروابط التالية:

1- حقائق غائبة حول الأزمة الراهنة

http://www.ikhwanonline.com/new/Article.aspx?SecID=390&ArtID=114150

2- حقائق خطيرة عن المحكمة الدستورية

http://hatemazzam.com/%D8%AD%D8%A7%D8%AA%D9%85-%D8%B9%D8%B2%D8%

7%D9%85-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AD%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7/