في ظلِّ الحيرة التي نحياها هذه الفترة وعدم معرفة الكثير منا أين يكون الصح وأين الخطأ مع تعمُّد مَن يسمون بالنخبة تضليل الشعب, رأيت أن من الأفضل أن نعود للخلف قليلاً، ونحرر المسائل المختلفة ونعيدها إلى سيرتها الأولى حتى يتبين لنا مكمن الخطأ فيما نحن فيه باستجلاء بعض الحقائق التي نسيها أو تناساها البعض.

 

- الحقيقة الأولى:

أثناء المناقشات التي دارت بين القوى السياسية والمجلس العسكري بشأن الشكل النهائي لقانون الانتخابات كان الخلاف على نسبة القوائم في المقاعد مقارنةً بالفردي، وتغيَّرت من 50% لكليهما إلى الثلثين للقوائم والثلث للفردي، وكان التخوف وقتها من عدم دستورية القانون وإمكانية الطعن عليه وتعريضه للحل؛ ولذا اتفق الحاضرون (ومنهم قانونيون وقضاة دستوريون) على تحصين القانون بطرحه على شكل إعلان دستوري مكمل حتى لا يتم الطعن عليه أمام المحكمة الدستورية؛ لأن رقابة المحكمة تكون خاصة بالقوانين وليست بالمواد الدستورية.

 

وقد تمَّ إصدار هذا الإعلان الدستوري بتاريخ 25 سبتمبر 2011م وجاء في مادته الأولى ما يلي:

"يعدل نص المادة (38) من الإعلان الدستوري الصادر في 30 من مارس سنة 2011م ليصبح على النحو الآتي:

ينظم القانون حق الترشيح لمجلسي الشعب والشورى وفقًا لنظامٍ انتخابي يجمع بين القوائم الحزبية المغلقة والنظام الفردي بنسبة الثلثين للأولى والثلث الباقي للثاني".

 

وقد أكدت نائب رئيس المحكمة الدستورية (تهاني الجبالي) تحصين مجلس الشعب القادم من أي طعونٍ بهذا الإعلان الدستوري، وشددت في تصريحاتها للأهرام المصرية في 1 أكتوبر 2011م على أن مجلس العب القادم لا يمكن حله ويمكنكم مراجعة تصريحاتها على الرابط التالي تأكيدًا لما أقول:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=653036&eid=203

والعجيب أنه تم الطعن بالفعل على قانون الانتخابات الصادر في إعلان دستوري مكمل خلافًا لما قيل وقتها ولا أدري كيف مرَّ هذا الأمر وكيف يتبجح الآن بعض من يدعون أنهم قانونيون وفقهاء في القانون بالقول أن نسبة الثلث والثلثين نفسها غير دستورية على الرغم من صدورها في إعلان دستوري!!!

 

ونأتي للنقطة الثانية في هذا الأمر، وهي أن الطعن تم على القانون الذي أعطى الأحزاب الحق في الترشح على المقاعد الفردية.
وبمراجعة الأحداث سنجد أنها تمَّت وفق الآتي:

أولاً: المجلس العسكري في البداية أصرَّ على أن الأحزاب لن تنافس على المقاعد الفردية، وإنما تُترك للمستقلين فرفضت كل القوى السياسية وكان أكثرهم رفضًا وقتها الأحزاب الليبرالية والقوى الثورية؛ لأن هذا برأيهم يجعل الباب مفتوحًا لعودة فلول الوطني إلى برلمان الثورة وأيضًا سيطرتهم على ثلث المجلس لأنهم الأكثر قدرةً على الإنفاق والحشد بين كل المستقلين، كما تفرَّد رفعت السعيد بأن هذا القانون هو محصلة اتفاق بين الإخوان والعسكري؛ لأنه يُمكِّنهم من الترشح على القوائم الفردية بعيدًا عن حزب الحرية والعدالة وفسَّرها البعض الآخر أن هذه لعبة من العسكري حتى لا تكون هناك أكثرية أو أغلبية داخل المجلس لأن الأحزاب كلها ستنافس على الثلثين فقط، وهذا حكمٌ بالفشل على مجلس الشعب لأنه سيتحول إلى حلبة للصراع وعدم قدرة أي قوةٍ أو حزب في تمرير أي قرار أو قانون لتظل الغلبة بيد العسكر وتظل البلاد رهنًا للمجلس العسكري.

 

ثانيًا: ضغط الجميع وقتها على المجلس العسكري لتعديل القانون والسماح للأحزاب بالمنافسة على الثلث الفردي، وللعلم فهذا القانون أيضًا تمَّ الاتفاق عليه بين القوى السياسية جميعًا والمجلس العسكري في وجود ممثلين للمحكمة الدستورية، والذين أفتوا بجواز القانون على هذا الشكل (وإن أعلنوا أن هذا رأيًا خاصًّا بهم)، وقام مجلس الوزراء برئاسة الدكتور شرف بإصدار التعديل على القانون بما يسمح بمشاركة الأحزاب في التنافس على الثلث الفردي.

 

ورغم كل ما سبق تمَّ الطعن على القانون حتى وصلنا لقرار حل مجلس الشعب، والذي أصدره في تغولٍ واضحٍ منه على السلطة التشريعية كما سنفرد فيما بعد, وإني هنا أتساءل استنادًا لنصِّ المادة الثالثة من الإعلان الدستوري المستفتى عليه "السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية"، وطبقًا لهذه المادة فإن مشاركة أكثر من 30 مليون مصري في انتخابات مجلس الشعب وهو ما يفوق العدد المشارك في انتخابات الرئاسة نفسها هو أكبر تحصين للمجلس من أي طعنٍ؛ لأن الشعب نفسه وافق على هذا الوضع ورضي به فلِمَ الالتفاف على الإرادة الشعبية هنا هذه المرَّة؟؟؟

 

وأتوجه بسؤالٍ هنا إلى المغالين من التيارات العلمانية والليبرالية، والذين ما برحوا يهاجمون مجلس الشعب ونوابه من الإسلاميين: أليس ما اتفق عليه الشعب برأيكم هو قمة الديمقراطية؟؟ ألستم تحتجون عند مناداة البعض بضرورة احترام نصوص الشريعة الإسلامية وعدم مخالفتها جهارًا وتقولون إن الأصل في التشريع هو ما اتفق عليه الشعب وقبل به، وأن هذا نوعٌ من الوصاية المرفوضة حتى وإن وافقت الوصاية صحيح الدين؟!!

 

فلم تقدسون هذه المرّة النصوص الدستورية والأحكام الدستورية حتى وإن أتت ضد رغبة الشعب؟؟؟ وإني أتعجب هل أصبحت النصوص الدستورية (المختلف أصلاً في تفسيرها) نصوصًا مقدسةً رغم أنكم لا تعطون نفس القداسة لنصوص الشريعة وأحكامها القطعية؟؟؟

 

ثم إني أتعجب من التحول العجيب في موقف بعض هذه القوى فأراهم الآن متمسكين بحل مجلس الشعب وصحة الحكم القاضي بعدم دستوريته رغم أنهم هم مَن حاربوا لإصدار القانون على هذا النحو الذي تمَّ الطعن عليه، وهذا عندي ليس له سوى تفسير واحد وهو أن هذه القوى لا يُحرِّكها إلا كره كل ما هو إسلامي أو صاحب مرجعية إسلامية، والدليل على هذا أنهم رفضوا القانون بشكله الأول والذي يقضي بعدم مزاحمة الأحزاب للمستقلين على الثلث الفردي خوفًا من هيمنة الإسلاميين عليها، والآن يساندون قرار حل البرلمان لأنه صاحب أغلبية إسلامية.. فهل يُعقل أن يتصف شخص بالوطنية وحب هذا الوطن واحترام اختيارات أهله وهو يربط مواقفه كلها بعدائه للإسلاميين؟!!

 

كما أتوجه بسؤالي إلى المجلس العسكري "ألم تحتج ضد مَن ينادون بعدم شرعيتك وأن وجودك على رأس السلطة التنفيذية بعد تنحي مبارك غير دستوري بأن موافقة الشعب على المشاركة في استفتاءٍ قمت أنت بطرحه هو مَن أعطاك الغطاء الشرعي لتظل على رأس السلطة التنفيذية؟؟ فلم ترفض القبول بشرعية البرلمان من منتخبيه الذين جاوزوا الثلاثين مليونًا؟!!!

 

- الحقيقة الثانية:

بمراجعة اختصاصات المحكمة الدستورية كما ورد بقانونها الخاص ستجد النصوص التالية:

مادة 25- تختص المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بما يأتي:

أولاً: الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح.

ثانيًا: الفصل في تنازع الاختصاص بتعيين الجهة المختصة من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي؛ وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين منها ولم تتخل إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها.

 

ثالثًا: الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهةٍ أخرى منها.

 

مادة 26- تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقًا لأحكام الدستور؛ وذلك إذا أثارت خلافًا في التطبيق، وكان لها من الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرها.

 

مادة 27- يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليها؛ وذلك بعد اتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية.

 

أي أنه إذا دققنا في هذه الإختصاصات ستجد أن المحكمة غير مخولة على الإطلاق بإصدار أي حكم قضائي، وإنما هي مخولة في حالة مجلس الشعب بالنص فقط على دستورية أو عدم دستورية القانون وليس من سلطاتها إصدار حكم بحل المجلس مثلاً، وإنما هذا من سلطات الهيئات القضائية الأخرى مثل المحكمة الإدارية العليا أو محكمة النقض المخول إليها النظر في صحة عضوية النواب دون غيرها من الهيئات الأخرى، فوفقًا لما جاء بالإعلان الدستوري المستفتى عليه في المادة 40 "تختص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلسي الشعب والشورى، وتُقدَّم الطعون إلى المحكمة خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يومًا من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب، وتفصل المحكمة في الطعن خلال تسعين يومًا من تاريخ وروده إليها، وتعتبر العضوية باطلة من تاريخ إبلاغ المجلسين بقرار المحكمـة".

 

- الحقيقة الثالثة:

الإعلان الدستوري الذي تمَّ الاستفتاء عليه في 19 مارس 2011م حرص على استقلالية السلطات الثلاث خلال الفترة الانتقالية؛ ولذا لم يعط للبرلمان الحق في سحب الثقة من الحكومة وإنما ظلَّ للبرلمان الحق في طلب سحب الثقة حتى لا تجور السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية وبالمثل فلم يعط للسلطة التنفيذية "ممثلة في المجلس العسكري أو مَن يقوم مقامه" الحق في حل البرلمان وفقًا لصلاحيات السلطة التنفيذية المنصوص عليها في المادتين 56 و57، أيضًا نجد أن الأعلان الدستوري قد خلا من أي نص يفيد بعودة الحق في التشريع إلى المجلس العسكري في حال تم حل مجلسي الشعب والشورى بعد انعقادهما، ويمكن مراجعة المادة 61 في هذا الشأن.. فمن أين أتت الجرأة للمجلس العسكري ليتغول هكذا، ويخالف النصوص الدستورية نفسها بإقدامه على حلِّ مجلس الشعب وإعادة حق التشريع لنفسه، وكذا مناقشة واعتماد الميزانية؟؟؟

 

وللمزيد من المعلومات حول المواد الدستورية.. يُرجى مراجعة هذا الرابط:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A_%D9%81%D9%8A_%D9%85%D8%B5%D8%B1_2011

 

ولذا أرى أن السلطة القضائية ممثلة في المحكمة الدستورية وبعض القضاة غير الشرفاء المنتمين للعهد البائد إنما يلعبون بالشعب لعبةً غايةً في الحقارة بالترتيب طبعًا مع المجلس العسكري وفق ما جاء في تصريحات نائب رئيس المحكمة الدستورية (تهاني الجبالي) لصحيفة (النيويورك تايمز) في الثالث من يوليو الجاري، والتي قالت عنها: "إنه على الرغم من وعود جنرالات المجلس العسكري بتسليم السلطة للحكومة المنتخبة، إلا إنهم كانوا يخططون بمساعدة كبار قضاة الدولة، للحفاظ على سلطتهم السياسية ومنع صعود الإسلاميين".

 

وهذا ما نراه واقعًا الآن بفجاجةٍ واضحةٍ من تآمر بين السلطة القضائية والعسكر في الاستهانة بالإرادة الشعبية وضرب عرض الحائط بها.

 

وفي ختام مقالي فإنني أتوجه بالنداء إلى السيد الدكتور محمد مرسي بصفته رئيسًا للجمهورية أن يفتح تحقيقًا مُوسَّعًا في هذا الأمر ويحيل المدانين فيه للمحاكمة بتهمة تبديد المال العام (أكثر من 2 مليار تم صرفها على انتخابات مجلس الشعب)، وتكدير صفو المجتمع وتعطيل مسرة التحول الديمقراطي؛ ما أضاع مليارات على البلد كان يمكن أن يتم استثمارها إذا استقرَّ الوضع السياسي بمصر، كما أعلن رفضي للجزء الخاص من قراره الجمهوري والذي يقضي بحل المجلس بعد إتمام الدستور الجديد، وأرى كمواطنٍ مصري أن هذا المجلس يجب أن يستمر لنهاية دورته حتى يستطيع الشعب  تقييم مَن اختارهم فلا نُسيء الاختيار مرةً أخرى، كما أني أؤكد أن خيرَ داعمٍ لقرارات الرئيس المنتخب محمد مرسي هو الشعب المصري الذي اختاره؛ وذلك بعد أن رأينا الحرب الإعلامية والقضائية الشرسة التي يقودها أذناب النظام القديم؛ ولذا وجب على الدكتور مرسي كرئيسٍ لشعب مصر مصارحة هذا الشعب بما يتم من ألاعيب، وأن يستمرَّ قدمًا في مسيرة التطهير اللازمة لإنجاح ثورتنا المجيدة.

----------

* معيد بكلية الهندسة جامعة أسيوط