قبل سنوات روى لي المستشار المأمون الهضيبي، مرشد الإخوان الراحل، أنه حين كان رئيسًا للهيئة البرلمانية للإخوان في مجلس الشعب ما بين 1987- 1990م، عُرض على مجلس الشعب قانون يعارض بشكلٍ واضحٍ وصريح أحكام الدستور؛ الأمر الذي أثار استغرابه وعجبه، وجعله يسأل أحد قادة الحزب الوطني الحاكم آنذاك (يوسف والي أو كمال الشاذلي حسبما أذكر)، فكان الرد: نحن نعرف جيدًا أن القانون غير دستوري، ولكن إجراءات الحكم ببطلانه تأخذ سنوات، نكون أثناءها قد حققنا الغرض منه.

 

بهذا المنطق ساس الحزب المنحل مصر منذ نشأته سواء في عهد السادات أو مبارك، وبهذا المنطق نشأ وترعرع  وتربَّى و"تربرب" جيل من مستشاري السوء، عملاء السلطة, ممن اصطلح على تسميتهم ترزية القوانين، ومهنية الترزي منهم براء، فهي مهنة شريفة غرضها ستر وتغطية عورة الإنسان، وقد كان نبي الله إدريس ترزيًّا، أما هؤلاء فهم يغطون الحقيقة فلا يكشفونها جلية للناس، ويغطون على الباطل فلا ينكره الناس، ويغطون على جرائم الحكام فلا يُحاسبون عليها، ويدارون الفساد بكل أشكاله ويعطونه الفرصة كي ينخر في جسد الدولة.

 

جحدوا نعمة الله عليهم أن كانوا في مهنة من أشرف المهن فتعاملوا فيها بأكثر الأساليب دناءة؛ فزينوا الباطل، وطمسوا الحق، وكتموا الشهادة، وحكموا للظالم، ولم ينصروا المظلوم.. إلى آخر أعمالهم الشنيعة، فكانوا ضمن شريحة: قاضٍ قضى بالهوى فهو في النار.

 

والنتيجة أن أصبحنا في مصر خاصةً، وأمامنا نصوص دستورية وقانونية أشبه بالماء السائل أو العجينة الطرية، يشكلها معدومو الضمير كما يشاءون.

 

والنتيجة أن فقد المصريون ثقتهم في كل نص دستوري أو قانوني، فما قيمة النص إذا كان نقضه أيسر من كتابته؟

 

وفقد المصريون ثقتهم في كل متحدث باسم الدستور والقانون، فما قيمة كلامه إذا جاء بعده مَن يحمل نفس صفته لكنه يقول عكس قوله تمامًا.

 

بفضل هؤلاء الفاسدين.. لم يعد المصريون يثقون في دستور ولا قانون ولا قرار ولا لائحة، فالكل قابل للنقض، قابل للإلغاء، قابل للتشكيك، ولم يعد القضاء يعني الحقيقة، بل يعني الشك والريبة.

 

ويبقى المصريون يدورون في حلقة مفرغة لا يتقدمون خطوة، والبركة في سحرة فرعون الذي يقدمون لنا الحبل على أنه حيةٌ تسعى، فإذا بطل السحر وجدناه حبلاً مهترئًا لا يصلح لشيء، ثم ينقلبون في المساء ليشاركوا فرعون في سرقة الشعب وظلمه، يقبضون الأجر ويكونون من المقربين.

 

كثير من هؤلاء لا يزال على قمة السلطة القضائية في مصر وفي أروقتها، وبدل أن يتبين لهم الحق بعد الثورة فيقولوا (آمنا برب هارون وموسى).. تراهم ينضمون إلى جيش فرعون في مطاردة أهل الحق، وهم لا يدركون أن مصيرهم الغرق.