جاء في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصدّق فيها الكاذب، ويُكذّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".

 

وعن جابر بن سمرة قال: "خطبنا عمر بالجابية فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال: "أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولم يُستشهد، ويحلف ولم يُستحلف، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

 

في الحديثين الشريفين نبوءة للرسول صلى الله عليه وسلم، بما يدور في عالمنا الآن، خصوصًا في وسائل الإعلام، من كذبٍ وتدليس، وتشويهٍ للصالحين، واتهام للبرءاء، على يد أشر الخلق وتوافه الناس.

 

وفي الحديثين تصوير للواقع الغريب المقلوب الذي يعاني فيه الصالحون أشد المعاناة؛ إذ القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر، من كثرة ما يتعرَّض له من شدائد وفتن، ومن امتحانات قاسية يتسيد فيها الكاذب والخائن ومَن لا قيمةَ له، فهي عصور أشبه بعصر آل لوط؛ حيث انقلبت الأوضاع وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وصار الأطهار فُجَّارًا، والفجار أبرارًا، وصار الرجال يقومون بأدوار النساء، والنساء يقمن بأدوار الرجال، وغدا النبي لا كرامةَ له في قومه.

 

وعندما يفشو الكذب- كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- فحدّث ولا حرج، والفشو هنا يعني أنه صار  أصل الأمور، أي لا يتحدث أحد إلا كاذبًا، اللهم إلا قلة، هي الفئة المؤمنة، أو الطائفة الظاهرة على الحق التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم، الذين لا يضرهم أحد، كاذبًا كان أو فاسقًا أو فاجرًا، بل هم في رباطٍ حتى قيام الساعة، يسلمون مَن وراءهم إرث النبوة ومكارم الأخلاق.

 

والرويبضة الذي تحدَّث عنه النبي صلى الله عليه وسلم، هو مثل بعض أصحاب القنوات الفضائية المشبوهة، فهو جاهل شديد الجهل، أرعن، يتحدث في الدين وهو لا يُحسن الوضوء، يُهاجم العلماء وهو لا يُفرِّق بين الفرض والسنة، يرغى ويزيد فيما لا طائلَ من ورائه، تحسبه ذا قيمة وهو يحتقر نفسه لما يخلو بها، ينشغل بأعداد مَن يشاهدونه ويستمعون إلى تفاهاته ولا ينشغل بما اقترفه من معاصٍ وآثام، وما حصَّله من غيبةٍ ونميمة، كل همه أن يُقال عنه إنه لبق، محاور، شجاع، له رأي ومبدأ، وهو في الحقيقة لا مبدأ له ولا رأي، ولا رائحة ولا طعم، بل هو أبعد أن يكون إنسانًا سويًّا.

 

والرويبضة التافه جريء على الله، فيه طيش فرعون ونزقه، وجهله وغباؤه، وفيه جبنه وذله.. ففي حالات ظهوره يشتم الأكرمين الصالحين ويسبهم ويتوعدهم، ويسخر منهم ويتندر عليهم، لكن لما تدور عليه الدائرة فهو كالأرنب الذي حُبس في قفص.. فرعون في أوج قوته قال: (يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)، ولما شارف على الغرق قال: (آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل).

 

وصاحبنا الذي قال إن أعضاء الإخوان المسلمين هم الذين قتلوا الشهداء في موقعة الجمل، لما استدعته المحكمة قال: أنا غلبان، أنا لم أقل، أنا لم أدر، لم أدر!!

 

ولك أن تتخيل شخصًا بهذه المواصفات، يتحدث في أمر العامة، أي في المسائل الخطيرة والمشكلات الشائكة، وهو من قبل لم يكن يؤبه له، فيصير له جماهير، وينتظره المشاهدون بالملايين.. يحدث هذا رغم جهله، وغبائه، ورغم كذبه الذي لا ينقطع، فهو يشهد ولم يُستشهد، كالذي ادّعى أن المرشد زار مبارك في محبسه!!، ويحلف ولم يُستحلف، كمَن يُقسم أن الإخوان عقدوا الصفقة الفلانية مع المجلس العسكري في ليلة كذا وفي المكان الفلاني أو أنهم يتعاونون مع المافيا، أو أنهم حاولوا قتل عمر سليمان وعبد المنعم أبو الفتوح وغيرهما.. وللأسف فإن هذا التافه صار يصدقه العامة، مستخفًا بهم، مستغلاًّ بُعدهم عن الدين وعن مصاحبة أهل الحق والصلاح.

 

وفي الحديثين دعوة لاعتصام أهل التدين، وتوحدهم، وسعيهم لإزالة الغبش والخداع الذي يسببه هؤلاء الكاذبون، بشتى الطرق المشروعة؛ حتى تستقيم الأمور فيُصدّق الصادق، ويكذب الكاذب؛ وكي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.