لا بد أن نفهم الانقسام الذي يحدث في مصر بشأن كل القضايا والأزمات على أنه أمر متوقع بعد ثورةٍ شاملة؛ لتغيير كل الأوضاع وفقًا للإرادة والهوية الشعبية, فالانقسام الذي حدث بشأن قرار الرئيس بعودة البرلمان يمثل صراعًا سياسيًّا على السلطة- وليس خلافًا دستوريًّا- بين أنصار الثورة الشعبية وبين أتباع الثورة المضادة الذين وصلوا لمناصبهم القيادية ضمن منظومة النظام البائد, الصراع ممتد لكننا نريد أن نؤكد أن النتيجة ستكون لصالح الإرادة الشعبية؛ لأن الطرف الآخر لا يستند لشعبية ولا إلى المنطق؛ الأمر الذي يحسم بالتعجيل بقرارات الرئيس بشأن الإعلان عن تعيينات مؤسسة الرئاسة والحكومة، دون الالتفات لضغوط النخب السياسية والإعلامية للمشاركة في المناصب الرسمية بأعلى صلاحيات.
- فالعجيب أن تتحدث النخب عن تقسيم المناصب تبعًا للحصص الحزبية والطائفية والخاصة بالمرأة وخلافه بدعوى توافق الجميع ومشاركتهم في تركة الثورة، والعجيب أيضًا- والمجال هو صميم تخصصي وخبرتي التي أتكسب منها- أن يتم تصور الأمور بالعكس تمامًا, فيتم البحث عن مناصب لشخصيات مثل مرشحي الرئاسة وقيادات الأحزاب والإعلام وخلافه والصحيح في بديهيات الإدارة أن يكون هناك رؤية واضحة لدولة أو مؤسسة ثم مشروع وخطة عمل؛ لتحقيق أهداف تنطلق من هذه الرؤية, بعد ذلك يتم تصور وتصميم الهيكل الوظيفي والتنظيمي الذي يضم القيادات والعناصر البشرية التي ستتصدى لدعم هذا المشروع وتحقيق أهدافه, يتم تحديد مواصفات ومؤهلات أكاديمية وخبرات عملية مطلوب توافرها في الشخص المفترض تعيينه في كل منصب، وبناءً على ذلك يتم البحث عن هذه الشخصيات، يعني يتم البحث عن شخصياتٍ تناسب مناصب ومواصفات محددة ولا يتم العكس- كما يحدث الآن- بالبحث عن مناصب لشخصيات محددة, فهل يحدث ذلك جهلاً أم عمدًا؟ كما كان يفعل المخلوع, تعيين الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب؛ ما يذكرنا بسلوك مشهور جدًّا للجاسوسية العالمية عندما استطاعت المخابرات الأمريكية تجنيد قيادة سياسية كبرى في الاتحاد السوفيتي، وتم الاتفاق على عدم اللقاء، أو الاتصال به مرةً أخرى حتى لا يكتشف الأمر، وكان المطلوب من هذه القيادة هو فقط تعيين الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب, ولقد تمَّ ذلك بالفعل، وكان من أهم أسباب انتصار أمريكا على الاتحاد السوفيتي الذي انهار فيما بعد, وبالمثل ظلَّ المخلوع يفعل ذلك حتى اتخذته إسرائيل كنزًا استراتيجيًّا.
- كما أن المشاركة والتوافق الذي يسوقونه باقتسام المناصب أمر يُعبِّر عن خلط- عمدًا أو جهلاً- مؤسف للغاية!! فالتوافق الفكري السلمي هو المطلوب بين الجميع على طبيعة وهوية الدولة وعلى مرجعية التشريع بالدستور, توافق على مستوى نظام الحكم وكل شرائح المجتمع، لكن الاختلاف بديهي وضروري على مستوى الأحزاب المتنافسة والحكومات المتتالية بشأن السياسات من حيث مثلاً: درجة الانفتاح الاقتصادي، وأولويات الاستثمار، وعلاقة القطاع الخاص بالعام، وكيف تكون أولويات الدخل القومي بين الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة مع تقليص تصدير المواد الخام بتصنيعها محليًّا لتعظيم الاستثمار- لم يعد أحد يصدر مواد خام إلا أصحاب العقول الخام- وخلافه, غير مطلوب التوافق بشأن هذه القضايا بين الأحزاب والتيارات المختلفة؛ حيث تقوم كل منها بتقديم رؤيتها وبرامجها مع المشاركة في الانتخابات ومَن يفوز يقوم بتشكيل الحكومة المتجانسة بالكامل ويأخذ الفرصة؛ لتطبيق سياساته والمجتمع يحكم عليه بالنجاح، أو الفشل، وهكذا يحدث تداول السلطة, فكيف يتم مشاركة عناصر من تيارات مختلفة لها قناعات متباعدة في حكومة واحدة أو مؤسسة رئاسة؟ إذا كان المطلوب هو عدم سيطرة الإخوان فالحل الوحيد هو مشاركة عناصر تكنوقراط ليس لها اتجاهات فكرية ولا انتماءات سياسية, بدلاً من تقسيم المناصب بين التيارات الفكرية أو القوى السياسية, إذا حدث كل هذا الخطأ، فكيف سيتم محاسبة الرئيس إذا كانت التعيينات بالمناصب مفروضة عليه فرضًا؟.
- كل التجارب العالمية في الدول الديمقراطية المتقدمة اقتصاديًّا تؤكد خطأ ما يحدث عندنا الآن من محاولات إعاقة الرئيس التي لا بد- إذا نجحت- أن تؤدي لضياع الأمور والأمثلة معروفه في لبنان وإيطاليا؛ حيث قيادة سياسية تحاول إرضاء كل الطوائف بتقسيم المناصب وبعثرة السياسات.
- التوافق المطلوب الآن هو على الدستور الجديد وانتزاع السلطة من العسكر غير المنتخبين؛ لتسليمها إلى المدنيين المنتخبين حتى يقوموا بأداء واجبهم مثل كل دول العالم, فهل من مجيب؟
---------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com