يتنافس المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة مع رموز النظام المخلوع  على موقع قيادة الثورة المضادة، وقد حرص الزند أن يكون أكثر تلك الرموز فجاجة حين وجه إنذارًا شديد اللهجة لرئيس الجمهورية المنتخب وأمهله 36 ساعة لإلغاء قراره بعودة مجلس الشعب والاعتذار عن هذا القرار دون أن يحدد لنا طبيعة رد الفعل في حال عدم الاستجابة لتهديده، وإن كنت فهمت الآن سر الـ36 ساعة بعد صدور حكم المحكمة الدستورية الجديد بوقف قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب رغم أن المحامي ناصر الحافي طلب من المحكمة التوقف عن نظر الدعوى بعد أن اتهمها بالتزوير وذلك بإرسال الحكم إلى المحاكم الأميرية قبل الاستماع لمرافعة المحامين وقبل صدور الحكم بعدة ساعات، قبل ذلك ظهر الزند في بعض الفضائيات ليعلن أن المواجهة قد بدأت، وأن كل الخيارات مفتوحة، متهكمًا في الوقت نفسه على الثورة وشعاراتها ومنها "الشعب يريد تطهير القضاء" الذي وصفه بالهتاف السخيف!!.

 

المستشار الزند الذي وهب نفسه وموقعه لنظام حسني مبارك أثناء حكمه وحتى بعد خلعه، والذي ظل يبرر كل انتهاكات مبارك للقانون ولأحكام القضاء لا يستطيع اليوم الخروج من تلك العباءة "فمن شب على شيء شاب عليه"، ولأن الرجل لا يستطيع أن ينكر مواقفه المخزية مع نظام مبارك فقد قرر أن يتباهى بها، ويتصدر صفوف  الثورة المضادة لثورة 25 يناير لعله يفلح مع رفاقه الفلول في النيل من الثورة، أو ربما إسقاطها وإعادة نظامه المخلوع، لكن هيهات هيهات.

 

الزند ليس حالة استثنائية، بل يشاركه أو لنقل ينافسه كثيرون من فلول دولة العسكر، وهم بالآلاف من كبار الموظفين العموميين وقضاة وصحفيين وإعلاميين ورياضيين وفنانين  ورجال أعمال وقيادات في الأمن والمخابرات، هؤلاء جميعًا تبوأوا مناصبهم بطرق غير مشروعة، بعيدة كل البعد عن المعايير المهنية والموضوعية، وترقوا في أماكن بالطرق غير المشروعة ذاتها، وهي الطرق التي كان يتعامل بها النظام العسكري على مدى ستين عامًا  لتكوين طيف واسع من المرتبطين بذلك النظام، والمتلذذين بالخدمة في بلاط العسكر، ولأنهم اعتادوا الخدمة في ذلك البلاط فهم اليوم لا يحتملون العيش في البلاط المدني، وهم مؤمنون تمامًا بالمثل القائل "إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه"، وتراهم الآن يتسابقون على تملق جنرالات في طريقهم إلى ثكناتهم، ولسان حالهم يقول كيف تتركوننا بعد هذه الخدمة الطويلة لمدنيين مثلنا، وينسون أيضًا المثل الشعبي "آخر خدمة الغز علقة!!".

 

المعركة مع الدولة العميقة ليست سهلة، ولكن الانتصار فيها ليس مستحيلاً، طالما تضافرت جهود كل المخلصين والأحرار، وأنصار الحكم المدني الذين ضحوا كثيرًا للوصول إلى هذا الحكم، وإذا كانت التجربة التركية في تفكيك الدولة العميقة وقصقصة أجنحتها قد استغرقت وقتًا طويلاً وجهدًا كبيرًا، فإن المتوقع أن تكون المعركة أقصر نسبيًّا في مصر، ذلك أن ثورة 25 يناير ودماء شهدائها وجراح مصابيها، اختصرت الزمن والجهد كثيرًا، فما كنا نحلم بتحقيقه بعد عقود من النضال السياسي السلمي تحقق خلال 18 يومًا فقط من الاعتصام  والتظاهر في ميدان التحرير وغيره من ميادين الحرية في ربوع مصر، كما أن وصول أول رئيس مدني منتخب لمصر عبر تاريخها كله هو أمر يشبه المعجزة، كما أن رضا العسكر بهذا الحاكم المدني- حتى لو كان ظاهريًّا- هو أمر طيب، واستمرار التعاون بين القيادات العسكرية  ومؤسسة الرئاسة أمر يدعو للتفاؤل.

 

توقع الكثيرون أن يحدث صدام عنيف بين الرئيس المدني الدكتور محمد مرسي  والمجلس العسكري ينتهي- ربما- بإقالة الرئيس من منصبه بل واعتقاله في السجن الذي كان حبيسه يوم 28 يناير 2011 (يوم الثورة الأعظم في  جمعة الغضب)، ودعا الكثيرون من فلول الدولة العميقة المجلس العسكري للانقلاب على الرئيس بدعوى خروجه على الشرعية وحنثه باليمين حين اتخذ قراره بعودة مجلس الشعب، وراحوا يتنقلون من فضائية  إلى أخرى مكررين التحريض ذاته، وعاشت مصر ليلة كئيبة عقب صدور قرار عودة البرلمان، حيث كان الكثيرون يتوقعون انقلابًا عسكريًّا في تلك الليلة وفرضًا للأحكام العرفية وحظرًا للتجول حسبما صورت الآلة الإعلامية لهم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، بل وجدنا الرئيس مرسي صبيحة اليوم التالي يجلس متوسطًا المشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان وكبار قادة القوات المسلحة في حفل تخريج إحدى الكليات العسكرية وهو ما تكرر على مدى الأيام التالية، وراح هؤلاء المحرضون يعضون أصابعهم من الغيظ، ويلمزون المجلس العسكري الذي خذلهم، لكنهم على كل حال لم يتوقفوا عن مسعاهم ودسائسهم.

 

ليس معنى ذلك أن العلاقة "سمن على عسل" بين مؤسسة الرئاسة المدنية، والمؤسسة العسكرية، فهذه الأخيرة حريصة على اقتناص صلاحيات خاصة في الدستور الجديد، وأذرعها المدنية التي تحدثنا عنها سابقًا وبعض الأحزاب الليبرالية تساندها في هذا المسعى، ولكن الشعب الذي دفع ثمنًا باهظًا للحرية وللوصول إلى حكم مدني لن يقبل أن تحكمه حكومتان إحداها مدنية والثانية عسكرية.

 

معركة التحول الديمقراطي الكامل ستستمر بعض الوقت، وستكون على جبهات متعددة، منها تحديد وضع القوات المسلحة في الدستور الجديد، ومنها تطهير مؤسسات الدولة من بقايا دولة العسكر المتغلغلين في الهيئات القضائية، والمؤسسات الإعلامية، والأجهزة الأمنية والدبلوماسية، وحين هتف الثوار "الشعب يريد تطهير القضاء"، و"الشعب يريد تطهير الإعلام" و"الشعب يريد تطهير البنوك" و"الشعب يريد تطهير الداخلية" كانوا يدركون معنى ما يهتفون به جيدًا، وحين تحركت بعض مؤسسات الثورة المنتخبة مثل مجلسي الشعب والشورى ومن بعدهما الرئاسة لتحقيق هذه المطالب جابهت مقاومة عنيفة من جيوب النظام القديم، ووجدنا أحكامًا تصدر بسرعة البرق من المحكمة الدستورية وهي التي كانت تستغرق سنوات طوالاً في نظر ما يعرض عليها من قضايا،  لكن وقوف الشعب خلف مؤسساته المنتخبة سيمكنها من حسم معارك التطهير في النهاية  ولو طال الزمن.