هي مشاهد هذه الأعوام تختلف كثيرًا عن المشاهد الماضية كلها التي صادفتني طيلة حياتي ففي السنوات الماضية من عمري، وبعد أن بدأت أميز بين الأشياء كانت المشاهد الجميلة تمر علي مرور الكرام دون أن أكلف نفسي عناء البحث في جوهرها والغوص في أعماقها ففي العام- 2005- سقط الطاغية ولد الطايع، وكنت حينها أشاهد ذلك المشهد المهيب وأنا في عمق ولاية آدرار بواسطة تلفاز قديم لا يعطيك الصورة واضحة ولا يتم تشغيله إلا ليلاً نتيجة قلة الكهرباء وكونه يتم تشغيله عن طريق- الطاقة الشمسية- أتذكر أنه في ذلك اليوم الجميل وبعد الكثير من الاستجداء لصاحب ذلك التلفاز قرر أن يرينا ذلك المشهد المهيب الجميل وذلك الشعب المتحرر من قبضة ذلك الديكتاتور البوليسي.

 

قبل أن يقوم الجنرال الأرعن "أبو بدر" بسرقة تلك الثورة الجميلة نهارًا جهارًا لأشاهد المشهد الثاني من تلك المسرحية المأساوية بعد أن مرَّ في شريط ذاكرتي ذلك المشهد الجميل للرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وهو يؤدي اليمين الدستورية كأول رئيس مدني منتخب للجمهورية.

 

الربيع العربي:

أعاد الربيع العربي لي كغيري من شبابه خاصية التفكير الهادئ والنظرة المتأنية الفاحصة للأشياء فلم تعد المشاهد تمر علينا مرور الكرام كما كانت فمن منا لم يتابع دكتاتور- ونس- يفر معلقًا بين السماء والأرض يبحث عن ملجئ يؤويه وأهله ليستقر به القرار في بلاد الله الحرام؛ حيث يسمع الأذان كل يوم خمس مرات بعد أن وصفه بالتلوث الصوتي!!

 

مشهد آخر أكثر بهاءً وأجمل نقاء عنوانه هذه المرة فرعون مصر وحامي الكيان الصهيوني صاحب القلب الفولاذي "حسني مبارك" لتتجسد العدالة الإلهية في هذا الرجل المريض ويستسلم في وضح النهار لإرادة الشعب المصري العظيم ليكون سجن طرة له مقرًّا بعد أن كان سكنًا للأحرار!! من أبناء الشعب المصري العظيم فلله الحمد من قبل ومن بعد!!

 

مشهد آخر من مشاهد الربيع هذه المرة عنوانه ملك ملوك إفريقيا معمر القذافي فبعد أن أذاق أحفاد عمر المختار صنوف العذاب طيلة أربعين سنة سقط "هبل" بعد سنة حافلة من النضال خاضها الشعب الليبي العظيم ضد السفاح المدمر!! ليلقى مصيره الحقيقي على يد ثائر لم يبلغ الحلم بعد.

 

مشهد آخر لا يقل جمالاً ولا أبهة عن المشاهد السابقة مفسد اليمن تحاصره النيران من فوقه ومن تحته مستجديًا الشعب اليمني العظيم ليستسلم هو الآخر في مشهد من مشاهد الربيع وعلى خطى القوم يسير بشار النعامة في طريق الندامة لأنه لم يتعظ بما حدث لرفاق والده.

 

مشاهد العام:

من أجمل لقطات العام وصول شيخ الإسلام راشد الغنوشي بلاد القيروان محمولاً على أعناق الرجال بعد ثلاثين سنة من الحرمان والمطاردة والكبت وسجوده في خشوع المؤمن الثابت في مطار "تونس قرطاج" لتفوز النهضة بعد ذلك في تونس بعد سنوات الضياع وليس بعيدًا من تونس يصل العالم الجليل- علي الصلابي- وعبد الحكيم بلحاج- بعد عقود من المطاردة إلى ليبيا عمر المختار ويفوز الإخوان المسلمون في مصر الكنانة بعد ثمانين عامًا من الدعوة والتضحية والجهاد.

 

المشهد الأخير:

أو المشاهد الأخيرة والتي بالتأكيد ستتبعها مشاهد أخرى فوز مرشح الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي رئيسًا لجمهورية مصر العربية وقائدًا أعلى للجيش المصري وهي سنة الله في الكون أن يرث الأرض عباده الصالحون، فالناظر اليوم إلى الدكتور محمد مرسي وهو يقف بين ملايين المحبين والمناصرين بصدره العاري في أول مشهد يشاهده مواطن عربي من رئيسه يدرك أن العالم تغير وأن الأمة الإسلامية تشهد ميلادًا جديدًا وفجرًا جديدًا عنوانه في هذه المرحلة المرجع الوحيد لها وهو- الإسلام- الجامع المانع الموحد فهنيئًا للشعوب العربية نخوتها وميلادها الجديد وإرادتها التي أثبتت الثورات أنها لا تقهر.

 

علمتني المشاهد:

أن أنحني للشعوب الثائرة الحرة وأن أقف مع الثوار أين ما وجدوا علمتني المشاهد أن الشعوب أبقى من حاكميها علمتني المشاهد أن الطاغية مهما اشتد عوده وكشر عن أنيابه فهو في النهاية إلى زوال علمتني المشاهد أن الحياة أشبه بمرتون عابر السابقون فيه هم الثوار واللاحقون بهم هم المطالبون بحقوقهم في زمن الانتصارات علمتني المشاهد أن الأيام دول وأن إدارة الشعوب أولى بالبقاء علمتني المشاهد أن الإسلام هو الحل وأن الحركة الإسلامية هي الأمل وعلمتني المشاهد أن الإسلام الذي جمع بيلال وعمارًا وصهيبًا وسلمان وحمى اليهود وتعاهد مع أعدائه بإمكانه أن يعيد نفس السمت اليوم في مشهد من مشاهد الانتصارات وموقف من مواقف التاريخ العطرة والله أكبر ولله الحمد. 

-------------------------------

* مسئول الإعلام في المنظمة الشبابية للإصلاح والتنمية