الحمد لله الذي جعل شهر رمضان موسمًا للطاعات، وأفاض على الصائمين نعيم الرضوان والنفحات.. وأشهد ألا إله إلا الله رب الأرض والسموات جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:- يا رسول الله أرأيت إن صليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فمن أنا؟. قال (صلى الله عليه وسلم): "من الصديقين والشهداء" (1).
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- الذي يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان فيقول: "أتاكم شهر رمضان شهر مبارك, كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حرم" (2).
فاللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن سار على هديه إلى يوم الدين أمَّا بعد..
أيها المسلمون، أيام قلائل ويأتنا شهر عظيم مبارك ألا وهو شهر رمضان: شهر الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن، شهر العتق والغفران، شهر الصدقات والإحسان، شهر تفتح فيه أبواب الجنات، وتضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات، شهر تُجاب فيه الدعوات وترفع الدرجات وتُغفر فيه السيئات، شهر يجود الله فيه سبحانه على عباده بأنواع الكرامات، ويجزل فيه لأوليائه العطيات، شهر جعل الله سبحانه وتعالى صيامه أحد أركان الإسلام، فصامه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بصيامه أنه الشهر الحبيب.
نعم جاء الشهر الحبيب لقلب كل مسلم ومسلمة فليشمر العاشقون. ولكن لماذا يشمر العاشقون؟
** نشمر لأننا سنطيع ربنا وننعم:
طوال العام صراع بين المسلم وشياطين الجن الذين يريدون أن يفسدوا عليه طاعة ربه، فتقيد الشيطان في هذا الشهر لينعم المسلم بطاعة ربة يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين" (3) ويقول أيضًا- صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقِّت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب" (4).
** نشمر لأننا سنطهر نفوسنا ونزكيها:
يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (5).
إنها جائزة الصيام، إنها التقوى أساس تطهير النفس وتزكيتها، ومن أجل هذا كان الصيام هو العاصم للشباب من المعاصي وتدنيس النفس.. يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (6).
ويقول جابر بن عبد الله الأنصار- رضي الله عنهما-: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء (7).
** نشمر لأننا سنتمم أخلاقنا وننميها:
يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"(8)، فمهمة العبادات إصلاح الأخلاق لذلك كان الرسول يستعيذ من منكرات وسوء الأخلاق فيقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء" (9).
والصيام الأصل في أدائه هو إصلاح أخلاق الصائم وليس الأصل الامتناع عن الطعام والشراب يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ليس الصيام عن الطعام والشراب وإنما الصيام من اللغو والرفث" (10).
لذا نقول لكل صائم انتهِ فورًا، وافعل فورًا.. انتهِ فورًا عما نهى عنه النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجةً في أن يدع طعامه وشرابه" (11).
وافعل فورًا ما أمر به النبي- صلى الله عليه وسلم-: "الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" (12).
** نشمر لأننا سنُقوئ عزائمنا ونعليها:
فمن الأشياء التي تقوي العزائم (الجود)؛ لذلك سُمي رمضان بشهر الجود، والسبب كما يقول ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس- أي أكرم الناس- وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (13).
والصدقة لا تفيد صاحبها فقط بل تصيب مَن حوله.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يخرج رجل شيئًا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانًا" (14).
لمَن تكون الصدقة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح" (15).. (ذي الرحم الكاشح.. هو المدمن العداوة في باطنه).
فالمسلم ينبغي له أن يقوي عزائمه بكثرة الجود، فمع ربه يُكثر من الطاعات، ومع أهله بحسن الخلق وصلة الأرحام والعفو عن المسيء، ومع الناس برد السيئة بالحسنة، فهذا هو الجود وليس فقط بالتصدق بالأموال والبخل بالأخلاق.
** نشمر لأننا سنتسابق للفوز بهدايا ربنا (سبحانه وتعالى):
فالهدية الأولى: الرحمة.. فعن عبادة بن الصامت- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، وينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل" (16).
والهدية الثانية: المغفرة: فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله- تبارك وتعالى- فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (رواه النسائي).
والهدية الثالثة: فرحة لقاء الله- سبحانه وتعالى- فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (17).
وتاج تلك الهدايا الهدية الرابعة: التقوى.. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (18).
الخطبة الثانية
أيها المتسابق المشمر احذر هذا:-
1- الإسراف: في الملبس والمطعم والمشرب لأنه خلق ذميم جاء الشرع بالتحذير منه والنهي عنه في كل الأحوال وعموم الأزمان, قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (19). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة" (20). فالإسراف يؤثر على القلب حيث يطفئ نوره ويعور عين بصيرته، ويثقل سمعه، ويضعف قواه كلها، ويوهن صحته، ويفتر عزيمته وهمته.
2- الشبع المفرط: ومن العادات الذميمة في رمضان الشبع المفرط نتيجة للجوع الذي يتعرض له الصائم، ولكن هذا الشبع له تأثير سلبي، حيث يثقل الجسد عن الطاعات، ويشغله بمزاولة مؤنة البطن ومحاولة الحصول عليها حتى يظفر بها، ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا فنام كثيرًا فخسر كثيرًا، وفي الحديث: "ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (21).
3- كثرة النوم: النوم الكثير له آثار سلبية كثيرة، منها أنه يميت القلب، ويوهن البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والنسيان والكسل.
4- الجلوس والسماع للإعلام: نعم شياطين الجن في سلاسل بلا حركة ولكن شياطين الإنس كلها حركة، فاحذر الجلوس أمام المسلسلات الخليعة والأفلام والمسرحيات الهابطة والفوازير الراقصة، وتذكر أيها العاشق المشمر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "العين تزني والقلب يزني فزنا العين النظر وزنا القلب التمني والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه" (22).
ولا تنسَ قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (23).
أيها المتسابق المشمر.. لا عجب أن يدعو النبي- صلى الله عليه وسلم- على من أدرك رمضان فلم يغفر له، فالنبي- صلى الله عليه وسلم- صعد على المنبر فقال آمين.. آمين.. آمين. قالوا يا رسول الله قلت آمين.. آمين.. آمين. قال النبي: "ذاك جبريل آتاني فقال :من أدرك رمضان فأبعده الله فلم يغفر له فدخل النار قل آمين. قلت أمين" (24).
أيها المتسابق المشمر.. هنيئًا لمن وفقه الله لاغتنام رمضان. وإلا سحقًا سحقًا.. بعدًا بعدًا لمن ضيَّع رمضان ولياليه.
----------------
الهوامش:
1- ذكره ابن حجر العسقلاني في مختصر البزار عن عمرو بن مرة الجهني- رضي الله عنه- إسناده صحيح
2- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- الألباني في صحيح الجامع.. صحيح.
3- رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه.
4- أخرجه الترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة- رضي الله عنه-.. صحيح.
5- سورة البقرة/ 183
6- رواه البخاري، ومسلم عن ابن مسعود- رضي الله عنه.
7- رواه ابن المبارك في الزهد.
8- تخريج السيوطي.. عن أبي هريرة- رضي الله عنه-.. صحيح.
9- تخريج السيوطي.. عن عم زياد بن علاقة- رضي الله عنه-.. صحيح.
10- أخرَّجه البيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنه-.. صحيح.
11- رواه البخاري، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة عن أبي هريرة- رضي الله عنه ـ
12. رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه.
13- متفق عليه.
14- تخريج السيوطي.. عن بريدة- رضي الله عنه-.. صحيح.
15- تخريج السيوطي.. عن أبي أيوب وحكيم بن حزام وعن أم كلثوم بنت عقبة.- رضي الله عنهما-.. صحيح.
16- ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وقال الحديث رواته ثقات إلا أن محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل.
17- رواه البخاري.
18- سورة البقرة / 183
19- سورة الفرقان / 67
20 تخريج السيوطي.. عن ابن عمرو- رضي الله عنهما-.. صحيح.
21- تخريج السيوطي.. عن المقدام بن معد يكرب- رضي الله عنهما-.. صحيح.
22- رواه أحمد عن أبي هريرة- رضي الله عنه- والحديث إسناده صحيح.
23- سورة النور (30)
24- رواه بن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
----------