لو قام "الرئيس" بعمليات تطهير في مؤسسات الدولة لما لامه أحد، ولكان من حق المضارين أن يصرخوا ويستخدموا كل أدواتهم لرد ضربات الرئاسة، ولكن المستغرب أن المنهج الرئاسي لم يصطدم بأحد، ورغم ذلك فإن الموالين والمفزوعين يعلنون رفضهم لإرادة الشعب، ويصارعون الزمن لمحاولة إفشال "الرئيس".

 

والسؤال هنا: إذا كانت مؤسسات البلد كلها ما زالت خاضعة لتعليمات "المجلس العسكري"، ولا تدين بالولاء "للرئيس" المنتخب؛ فما العمل لمواجهة مخططات إفشال مهمة "الرئيس"؟!

 

ثلاثة محاور أساسية ينبغي العمل عليها لمواجهة هذا المخطط:

أولاً: إدخال الشعب طرفًا في المعركة

فحين أدركت القوى السياسية مبكرًا أن "العسكري" طامعًا في "البقاء المسيطر" على السلطة كان أمامها معضلة كبيرة، فالشعب ما فتئ يهتف "الجيش والشعب إيد واحدة"، ولم تمر أسابيع على اندلاع الثورة حتى ظهرت حقيقة "العسكري" فكيف تقنع الشعب بأن "العسكري" والشعب ليسا يدًا واحدةً؟!

 

كانت الإجابة المنطقية هي الإسراع في عملية التحول الديمقراطي؛ بما فيها من انتخابات بكل أنواعها؛ ليخوض الشعب معركة التغيير بنفسه، وفعلاً استجاب الشعب واحتشدت طوابيره في "الاستفتاء" وفي انتخابات مجلسي الشعب والشورى، والرئاسة، وعلى التوازي كان "العسكري" يبذل قصارى جهده للتمكين للعسكر عبر وثيقتي "الجمل" و"السلمي"، وعند النقطة الفاصلة، وهي مرحلة انتقال السلطة بكاملها للشعب كان الانقلاب العسكري الذي ضحَّى بالقضاء من أجل الحفاظ على سلطة التشريع، مع التربص "بالدستور".

 

وهنا ظهرت أهمية "المسار السياسي" الذي طالما اتُهم "الإخوان" بخوضه؛ إذ كان نزول الشعب للانتخابات قد وضعه طرفًا أصيلاً في المعادلة، وأصبح "العسكري" معزولاً من الشعب و ليس من القوى السياسية ولا النخبة فقط.

 

وأصبح الأمر الآن أكثر احتياجًا للشعب لكي يكون فاعلاً بعد أن بدا استهانة "العسكري" بتأثير"الميدان"، وأصبح يقيس خطورة الموقف بقدرته على تفريق تظاهرات و اعتصامات "الميدان"، وليس بالملايين التي ترفض حكمه، ومن هنا فإنه يجب الإصرار على خوض العمليات الانتخابية المتتالية؛ لتصبح "إستراتيجية ثورية" تضمن اشتراك الشعب فعليًّا في الصراع؛ لتحقيق أهداف الثورة التي تتعرض للإفشال كل لحظة وبمنتهى الدأب.

 

وعليه فلا ينبغي للقوى الوطنية أن تملَّ من إعادة الانتخابات التشريعية في حال فشلت الجهود القانونية لاسترداد "البرلمان"، وعليها أن تدفع في كل اتجاه يجعل الشعب مشاركًا أساسيًّا، فهذا وحده سيردع "العسكري" عن الاستمرار في غيِّه.

 

ثانيًا: برنامج (المائة يوم) كسيف على رقبة "العسكري" وليس "الرئيس"

إذا اعتمدت "الرئاسة" على مؤسسات الدولة في تنفيذ خطة المائة يوم فحتمًا ستفشل؛ إذ إن (العصمة) ما زالت بيد "العسكري" والبيروقراطية الحكومية قادرة على المراوغة؛ لتصل بنا إلى مائة يوم فاشلة تكون الهدية التي سيتلقفها إعلام "العسكري"؛ ليعلن وفاة المشروع الرئاسي الجديد.

 

ولكن "الرئيس" قادر على أن يرفع (السيف) ليضعه على رقبة "العسكري"، وذلك بأن يحدد المهام لمؤسسات الدولة- كما يصنع الآن- ثم يعلن "للعسكري" أن أي فشل في هذه المؤسسات سيكون هو المسئول عنه، وأنه سيصارح "الشعب" بالذين يعملون ضد مصالحه، وأن "العسكري" إذا أراد أن يطوّر الصراع فإن صراعه القادم سيكون مع أصحاب المصلحة و الإرادة، هؤلاء الذين ضاقت بهم الأرزاق واسودت الدنيا في أعينهم، ولم يعودوا مستعدين للتلاعب بهم من أي جهة سلطوية.

 

ويكفي "الرئيس" حينئذ أن يستخدم نواب الشعب والشورى كرقباء على مؤسسات الدولة ومخاطبتها بتنفيذ "برنامج الرئيس"، ثم استقبال تقارير النواب عمن يقوم بدوره ومن يقاوم الإصلاح، ويتم إعلان ذلك للشعب، وليترك هؤلاء المسئولين المقصرين والمعوقين نهبًا لغضبة جماهيرهم.

 

بهذا سيكون "الرئيس" قائدًا لشعبه مطالبًا بحقوقه، وينتقل من مربع مساءلته عن تحقيق وعوده للشعب، إلى موقع محاسبته للمسئولين الذين يجرمون في حق الشعب، وأولهم "العسكري"، وبذلك يتحقق ضبط المعادلة؛ ليكون الشعب هو الحكم والرادع للفاشلين والمخادعين والمناورين، ويدخل إعلام "العسكري" إلى جحور الفئران التي لا يخرج منها إلا لتشويه الثورة والثوار والرئاسة.

 

ثالثًا: (الحكومة) كمدخل لتمكين الرئيس من صلاحياته

قد لا نستطيع إسقاط "الإعلان المكمل"، وقد لا يحسن "العسكري" الاستجابة لمطالب الشعب بتغييره، وبالتالي فأمامنا فرصة كبيرة للالتفاف حول هذا الإعلان الكارثي، وهو العمل من خلال الوزراء الذين- ما زالوا – يملكون الصلاحيات الكاملة للقيام بدورهم، وإذا أحسن "الرئيس" تشكيل حكومته ورئيسها فقد نقل نفسه- من جديد- من حالة "تكبيل اليد" التي أراد "العسكري" فرضها عليه، إلى حالة "الأمر الواقع" الذي سيفرضه هو على "العسكري" من خلال "الحكومة".

 

والمعلوم سياسيًّا أن قضية "حدود وتداخل المسئوليات" هي من القضايا التي لم يتم حلها في جميع الديمقراطيات، وما تزال يظهر لها كل يوم تساؤلات وتحاول الدول الديمقراطية الإجابة عنها؛ إما بالطريق السياسي أو القانوني أو الدستوري.

 

وي وضع كوضعنا فإننا ننصح "الرئيس" أن (تتغول) سلطات "الحكومة"، وأعمالها وتتسع بلا حساب، وتترك الطرف الآخر "العسكري" هو من يدافع عن نفسه ويلجأ للقضاء ولصلاحياته التشريعية ليتورَّط أكثر فأكثر؛ ليجد نفسه في النهاية مصطدمًا بمصالح الشعب من جديد، فيفكر ألف مرة قبل الصدام، ولا يجد ملجأً إلا التفاهم مع "الرئيس" وتقديم التنازلات له باعتباره الممثل القانوني الأعلى للشعب.

 

إن فرصة تنفيذ برنامج "الرئيس" كبيرة للغاية حتى في ظل الصلاحيات المحدودة، وفرص مواصلة نجاحات الثورة متزايدة؛ لأن "التكتيكات السياسية" لا نهاية لها، وهي قادرة على تجاوز "الغباء العسكري" ومحاولاته المستميتة للهيمنة.

------

• Mohamedkamal62@ymail.com