لا تزال المادة الثانية تلقي بظلال الاختلاف حولها بين المطالبين بالمنح والإبقاء والمهددين بالمنع والإلغاء، وكل منهما له أجندة خاصة يريد أن يمرر من خلالها ما يريد، لكن تبقى هذه المادة من أكثر المواد إثارةً للجدل من بين مواد الدستور المزمع صياغته من قبل لجنه المائة التي حدد الإعلان الدستوري المكمل ملامحها، وذلك كلما تطرق الحديث إلى حرية الاعتقاد في المجتمع المصري أو الحديث عن حقوق مختلفي الديانة وهمومهم ومشكلاتهم؛ للدرجة التي قد يتصور بها البعض أن جزءًا كبيرًا من النقاش حول الدستور يختزل في هذه المادة.
وتعود الصياغة الحالية الموجودة في الدستور الملغي إلى عهد الرئيس السادات حينما أراد أن يمرر التعديل الخاص بمدة الرئاسة؛ بحيث لا تصبح مده ولايته 6 سنوات فقط وإنما أضيفت إلي النص عبارة مدد أخرى؛ لكي يبقى في السلطة كما يشاء.
وأثارت هذه المادة عده مخاوف لدى البعض، خاصةً فيما يتعلق بإضافة (ال) إلى كلمة مصدر، وقام المستشار حامد الجمل بصفته المستشار القانوني لمجلس الشعب آنذاك، بالرد على هذه المخاوف، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية لا تُطبق بقوه الدستور، ولكن بإرادة المُشرِع المصري بمعنى أنه عندما يتم إعداد قانون لا بد من الرجوع لأحكام الشريعة الإسلامية في كل المذاهب، وينتقي منها الأحكام واجبة الانطباق وتصدُر في صورة قوانين كالمواريث والوصية والوقف، وبالتالي فإن هذه المخاوف لا أساس لها، ويعود الأصل الدستوري لهذه المادة إلى دستور (1923) الذي استمر العمل به حتى (1953) وهي المادة الأولى من الباب السادس وعنوانه "أحكام عامة"، ونصت على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية.
وتذكر مضابط لجنة الثلاثين التي وضعت هذا الدستور أن صاحب الاقتراح بتضمين هذه المادة هو الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية آنذاك، ولما طرح الاقتراح للتصويت تقرر بالإجماع قبوله، وكان الجميع على قناعة تامة بأن التوجه الأساسي لمصر الحديثة، لا بد أن ينطلق من دينها ولغتها على السواء، وظل هذا الحكم الدستوري مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدي القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم دستور (1930) الذي استمر خمس سنوات ثم عاد بعد ذلك دستور (1923) ودستور (1956) في عهد ثورة يوليو ودستور (1964) ودستور (1971) ولم يشذّ عن ذلك إلا دستور (1958) في عهد وحدة مصر وسوريا؛ لأنه لم يكن دستورًا مكتملاً، بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري، وقد زال بانفصال سوريا (1961)، ولكن بقيت المادة بمكونيها الدين واللغة ثابتة لا يملك أحد إلا أن يعترف بها حتى وصلت إلى صياغتها الحالية.
لكن ما اخشاه أن يظل الجدل حولها شبيها بما أثاره رجالات بني أمية بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، لما رفع معاوية بن أبي سفيان قميص عثمان الذي اضرجت فيه الدماء وعلق عليه أُصبع نائلة الذي قطعت وهي تدافع عن زوجها معلنةً مطالبته بالثأر من قتله عثمان، لكن الهدف الأساسي كان في تولي الخلافة، أما قميص عثمان فكان هو الستار الذي توارت خلفه مطالب عدة كالتي تثار حاليًّا بشأن المادة الثانية التي هي وقميص عثمان بريئان من كل ما توارى حولهما من مطالب ولا عزاء للدستور ولا حتى لقميص عثمان!.
----------
• باحث بالقانون الدولي وعضو هيئة كبار العلماء بالجمعيات الشرعية.