بعد أن أنعم الله علينا بنجاح ثورتنا المباركة في إسقاط رأس النظام الديكتاتوري الظالم السابق، واختيار رئيس منتخب لمصر لأول مرة في تاريخها باختيار حر ونزيه؛ ليعبر عن الثورة ومطالبها وطموحاتها، أصبحنا في حاجة لما يمكن تسميته بـ"فقه شكر النعمة"، فهذه النعمة تحتاج منا لشكر الله سبحانه وتعالى؛ ليديمها علينا ويعيننا على المحافظة عليها بطريقة عملية وليس بمجرد الأقوال التي تناقضها الأفعال.

 

فالشُكر كما عرفه السلف هو الاعتراف بنعمة المُنعِم على وجه الخضوع، وإضافة النِّعم إلى مُوليها، والثناء على المُنعِم ِبذكر إنعامه، وعكوف القلب على محبته، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره.

 

ولأن الشكر من أعظم مقامات الدين ذُكر في القرآن الكريم في الكثير من المواضع: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (152)) (البقرة)، وأوضح أن حفظ النعم واستمرارها وعدم زوالها مقرون بشكر الله عز وجل: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)) (إبراهيم).

 

فلا بد من الاعتراف بفضل الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب الفضل والمنة أولاً وأخيرًا، وذلك يتطلب منا شكره بالعمل الجاد ليديم علينا نعمه العظيمة (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ: من الآية 13)، ومن ذلك:

 

 
ضرورة التعاون وتوحيد الصفوف وتكاتف الجهود فيما بيننا جميعًا كمصريين؛ لكي لا ندع فرصة للشيطان لينزغ بيننا، فقوتنا في وحدتنا وثباتنا أمام التحديات ومواجهتها والتغلب عليها (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: من الآية 2).

 

فلا يعقل أن نبني بلدنا ونحن متحفزون لبعضنا أو متربصون لأخطاء بعضنا بعضًا، أو منتظرون لعثرات بعضنا بعضًا، ولقد رسم لنا الله سبحانه وتعالى معالم الطريق المستقيم حين قال: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: من الآية 46).

 

ومن دعائم شكر النعمة نكران الذات وتغليب الصالح العام على الخاص؛ والعمل لما فيه خير الأوطان وليس لمصلحة حزبية ضيقة، فحجم ما أفسده النظام السابق كبير جدًّا، ويحتاج لتضافر جميع القوى لإزالة آثاره، وإعادة البناء من جديد، وهذا لن يتحقق إلا بقدر كبير من التجرد وإخلاص التوجه لله سبحانه وتعالى.

 

كما علينا أيضًا التغافر وعدم تصيد الأخطاء أو تضخيمها وإحسان الظن ببعضنا والقبول بنسبة من الأخطاء فكلنا بشر وكلنا خطاء وخير الخطائين التوابون.

 

إن مصر الآن في أمسِّ الحاجة للأيادي التي تبني لا للألسنة التي تُنظر، فلنتسابق في البناء كلٌ في مجاله وتخصصه؛ لأن الرابح هو مصر كلها وليس فصيلاً أو جماعة أو حزبًا أو رئيسًا، فينبغي أن ننهض بالبلد أولاً، إذ أين هي الغنائم الآن في بلد منهوبة بطريقة منظمة من عشرات السنين ويضرب الفساد بجذوره فيها بل ويقاوم بكل ما أوتي من قوة ومال وسلطة وجاه من أجل إعادة إنتاج النظام الفاسد السابق، بينما يحاول البعض جرنا لمعارك وهمية بين الثوار الحقيقيين الذي أشعلوا جذوة الثورة وغذوها بدمائهم وأرواحهم.

 

إن من يحب مصر بصدق عليه أن يكون مع المحركات والزيوت والشحوم في غرف المحركات وفي قواعد البناء، وليس في غرف الاستقبال وأمام شاشات الفضائيات، فنحن لسنا بحاجة لأصحاب الياقات البيضاء ولكننا بحاجة للبناة الأقوياء.

 

لقد اعتقد البعض أن الثورة قد اكتملت وآتت ثمارها ويحاول التسابق لجني الثمار، وغاب عنه أنها مجرد بداية لطريق نهضة طويل يحتاج منا للصبر والشكر ليتم الله علينا نعمته، وهنا نتذكر كلام الشهيد سيد قطب يرحمه الله حين قال: "فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون، وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء، وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر".

 

فلنتحد خلف رئيسنا المنتخب، ولنضع أيدينا في يده، ولنكن له خير عون- بعد الله- في بناء ونهضة بلدنا، ولنقدم العمل على القول والإنتاج على الجدال، والعام على الخاص، ونعطي القدوة الصالحة من أنفسنا في كل أعمالنا التي ينبغي أن تكون خالصة لله وحده ثم حبنا لشعبنا وبلدنا الذي يجب أن يتحول لطاقة منتجة؛ بذلك نكون قد شكرنا الله على حمايته لثورتنا (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) (النمل: من الآية 40)، فنحن المستفيدون من شكرنا لله أولاً وأخيرًا، وندعوه سبحانه وتعالى أن يتم علينا نعمه بتمام نجاح الثورة وإعادة بناء مصر الجديدة والحديثة لكل المصريين ولأبنائنا وأحفادنا من بعدنا.