أرفض تقديس الأشخاص وعبادتهم، وأرفض تبجيل الرؤساء ومنافقتهم، ولكنني في الوقت نفسه أرفض الإساءة إلى رئيسي المنتخب الذي وقفت طابورًا في عز الحر وأمثالي ملايين لننتخبه بكامل إرادتنا، أرفض أن يجرد من لقبه الذي منحه له الشعب، وأرفض السخرية في بعض الصحف والقنوات منه، رغم أنني أقدر تمامًا أي نقد موضوعي له.
وحين نشرت بعض الصحف والمواقع خبرًا عن تسليم نجل الدكتور مرسي قلادة لرئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في مطار القاهرة نيابة عن والده لم أعترض على ما كتب شريطة أن تثبت صحته؛ لأننا لم نثر على أبناء مبارك لنحل بدلاً منهم أبناء مرسي، رغم أنني أحسن الظن بأسرة الرئيس، وأثق في صدق موقفهم الرافض لأي دور سياسي، ولكن هذا الخبر لم يكن صحيحًا ألبتة، كان من الواضح أنه مختلق بثته إحدى الوكالات وتلقفته العديد من الصحف والمواقع دون تدقيق أو ممارسة للواجب المهني الذي يقتضي التحقق من صاحب الشأن في إطار حملة لحرق الرئيس المنتخب أمام شعبه، كما فعلوا من قبل مع مجلس الشعب الذي انتخبه أكثر من 30 مليون مصري، وتكللت جهودهم أخيرًا بحل المجلس، وإعادة سلطة التشريع إلى المجلس العسكري.
من حق زملائي الصحفيين والإعلاميين أن ينتقدوا سياسات الرئيس ورجال الرئيس كما يشاءون إذا توفرت لديهم الوثائق والمستندات، ولكن ليس من حق أحد إهانة الرئيس الذي أصبح رمزًا لنا، ولو تحرك بعض القانونيين والنشطاء لرفع دعاوى ضد وسائل الإعلام التي أهانت الرئيس فلا تتوقع هذه الصحف والقنوات دعمًا من شرفاء المهنة الذين يرفضون هذه التجاوزات والذين امتلكوا الجرأة ليواجهوا الرئيس وجهًا لوجه بكل هواجسهم خلال لقائه برؤساء التحرير والإعلاميين يوم الخميس الماضي، وقد تقبل الرئيس ما قالوه بصدر رحب، بل إنه دعاهم لقول الحق وكشف أي أوجه للفساد أو السلبيات، وأشهد أن غالبية المشاركين خرجوا من اللقاء بارتياح كبير، وبانطباع يختلف تمامًا عما دخلوا به..
خطة حرق الرئيس وإن كانت تبرز كثيرًا في بعض وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية، إلا أنها تبرز أيضًا في إحياء حركة الاحتجاجات الفئوية، ونقلها هذه المرة إلى القصر الجمهوري، ووصل الأمر ببعضهم لمحاولة تسلق سور القصر للدخول عنوة، ولو أن هذا المتسلق تعرض لمكروه من رجال الحرس كان الإعلام سيقدمه أول شهيد على باب الرئيس لكن الله سلم.
من المؤكد أن هناك بعض المحتجين حسني النية والطوية، وأنهم ذهبوا إلى القصر ربما استثمارًا لوعد الرئيس بأن أبوابه ستكون مفتوحة أمام المواطنين، لكن من المؤكد أيضًا أن بعض المحتجين الآخرين مدفوعين من جهات أو أفراد لديهم خطة واضحة لحرق الرئيس وتصدير المشاكل إليه بهدف شل حركته، وتعجيزه عن الوفاء بوعوده للمائة يوم الأولى والمرتبطة بالمشاكل الحياتية اليومية للمواطنين، وكذا تطفيش المستثمرين الذين يعتزمون ضخ استثماراتهم إلى السوق المصري، وعليكم أن تتخيلوا أن رئيس الجمهورية يجتمع مع مستثمرين عرب أو أجانب داخل القصر بينما المتظاهرون والمحتجون يحيطون بأبواب القصر، ويحاولون تسلق أسواره، فكيف لهذا المستثمر أن يشعر بالطمأنينة على استثماراته في مصر، وهي الاستثمارات التي من المفترض أن توفر آلافًا بل ملايين فرص العمل للمصريين؟!.
لعلنا نتذكر موجة الاحتجاجات الفئوية التي عمت ربوع مصر عقب الثورة مباشرة، وكيف أنها كادت تطيح بالثورة وبما تحقق من إنجازات، ثم تجددت هذه الاحتجاجات والمظاهرات الفئوية في أكتوبر من العام الماضي، ورغم أحقية الكثيرين ممن قاموا بتلك الاحتجاجات في إبراز مظالهم التي تراكمت على مدى العقود الماضية، إلا أن تزامن تلك الاحتجاجات كلها في توقيت واحد وضع عليها علامة استفهام كبرى، ولم يكن بوسع أجهزة الدولة الرسمية وقف تلك الاحتجاجات ولكن جهودًا شعبية ساهمت فيها بعض وسائل الإعلام الواعية، وأئمة المساجد وكهنة الكنائس، والنشطاء السياسيون وبعض منظمات المجتمع المدني هي التي أقنعت المحتجين بتأجيل مطالبهم قطعًا للطريق أمام قوى الثورة المضادة التي حركت بعض تلك الاحتجاجات أو استغلت بعضها الآخر لتأزيم الموقف والانقضاض على الثورة وعلى دماء الشهداء، وأظن أن هذه الجهود مدعوة الآن للقيام بالمهمة ذاتها وللأسباب ذاتها، حتى يتعافى الوطن وتتحرك عجلة الإنتاج، وتعود الاستثمارات، وتجري الدماء في الاقتصاد والأسواق.
وللتوفيق ما بين سياسة الباب المفتوح لرئيس الجمهورية وحق المظلومين في التعبير عن غضبهم واحتجاجهم ورفع مظالمهم لمقام الرئاسة أقترح أن تؤسس رئاسة الجمهورية ديوانًا للمظالم يرأسه مساعد أو نائب لرئيس الجمهورية ويكون مقره في قصر عابدين وتكون مهمته هي مقابلة الوفود المحتجة والاستماع لمظالمها وشكاواها، والتواصل مع الجهات المختصة لحل تلك المشاكل أولاً بأول، وهذا المقترح سيحافظ على هيبة قصر الاتحادية، ويوفر للرئيس مناخًا أفضل للتفكير ومناقشة القضايا والهموم الكبرى لعموم الشعب، كما سيعينه على تنفيذ وعوده بإعادة الأمن وضبط الأسواق وتوفير السلع الأساسية، وحماية البيئة خلال المائة يوم الأولى لحكمه، وعلى تنفيذ بقية برنامجه الرئاسي خلال الأعوام الأربعة لولايته.
ليس مقبولاً أن نقف متفرجين على الرئيس حتى يحقق لنا ما وعد به، ولسان حالنا يقول اذهب أنت ومعاونيك فنفذوا إنا هاهنا قاعدون، بل علينا أن نقول اذهب أنت ومعاونوك فنفذا إنا معكم مشاركون، فليتحمل كل منا مسئوليته الشخصية، وليسترد كل منا روح ثورة يناير التي دفعتنا لتنظيف الميادين والشوارع وتجميلها بجهودنا الشعبية، فلو قام أهل كل شارع بتنظيف شارعهم، ولو حرص كل واحد على إلقاء القمامة في المقالب المخصصة لها، ولو التزم كل قائد سيارة بقواعد وقوانين المرور، ولو أبلغ عاملو محطات الوقود عن أي محاولات لسرقة الوقود وافتعال أزمات، ولو التزم أصحاب مستودعات البوتجاز بالتوزيع العادل للأنابيب، لو حدث كل ذلك فإننا سنستمتع بمصرنا الجديدة الجميلة الخالية من الأزمات، وستتحقق وعود الرئيس في أقل من مائة يوم.