يتحدث الكثيرون الآن عن مطالبهم من الرئيس المنتخب د. محمد مرسي، فترى بعض الكُتَّاب يوجه له نصائح، ويطلب إليه مطالب، وبعض الخطباء يقدم له مواعظ، ويرفع له نموذج عمر بن الخطاب في العدالة والقوة والأمانة، بما لم يكن يستطيعه أي أحد أن يفعله أيام المخلوع، ولعل هذا من حسنات الثورة التي جعلت الناس أحرارا فيما يخطبون وما يكتبون وما يطلبون.
أقول إن أغلب المواطنين اليوم ينتظرون ما سيقوم به الرئيس المنتخب، وغالبية الموظفين في مؤسسات الدولة ينتظرون "العلاوات"، و"الزيادات"، ويقصرون نظرتهم على مصالحهم الشخصية الجزئية الذاتية، دون همٍّ وحرص كبيرَيْن على مصلحة مصر ومكانتها بين الدول؛ منتظرين حلا سحريًّا يحل كل مشكلاتهم، فيسدد ديون الأفراد، ويغني الفقير، ويشفي المريض، ويزوج العزب، ويحمل الكَل، ويكسب المعدوم، وربما يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى!
سمعنا بمن يتربص بالرئيس الجديد ليحاسبه على برنامجه في أول 100 يوم، وهناك مواقع أنشئت خصيصًا لذلك، بل إن بعض الصحف كان عنوان صفحتها الأولى في الأول من يوليو 2012م: "وبدأ الحساب"... وهذا كله لا غبار عليه، بل إن محاسبة الرئيس ومراقبته الشعبية مطلوبة؛ لأن هذا من أهداف الثورة، وهذا هو الوضع الطبيعي للشعب مع رئيسه الذي انتخبه.
لكننا لم نسمع من يسأل نفسه: ما هو واجبي مع الرئيس، أو ماذا يطلب الرئيس مني؟، إذا كنت أطالب الرئيس بكذا وكذا، وإذا كنت أترقب الرئيس وأفعال الرئيس وأعمال المائة يوم الأولى من برنامج الرئيس، فما دوري الذي يمكن أن أقوم به حتى نكون "إيد واحدة" في تحقيق نهضة مصر، ووضعها في مكان الريادة بين الأمم؟
إن الرئيس وحده لن يستطيع أن يفعل كثيرًا، بل لا بد أن يكون الرئيس والشعب على قلب رجل واحد في القيام بالواجبات، ولا يصح لنا كأفراد أن نطالب بحقوقنا قبل أن نؤدي ما علينا من واجبات.
إن ما سمعناه من السيد الرئيس د. محمد مرسي في خطاباته منذ الخطاب الذي كان في فجر يوم 18 يونيو 2012م، إلى الخطاب الأول بعد الإعلان الرسمي للنتيجة، إلى الخطاب الحاشد في ميدان التحرير يوم الجمعة الماضي، إلى خطابه المرتجل والموجز بعد أدائه اليمين الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا، إلى خطابه في جامعة القاهرة، إلى خطابه في حفل تسليم السلطة ...
كل هذه الخطابات شعرنا فيها بالعزة والكرامة، وبداية عودة مكانة مصر واستردادها لكبريائها، واستردادها لشرف رئيسها وكرامته التي هي من كرامة المصريين وشرفهم، وسعد المصريون بالخارج لإحساسهم بأن لهم رئيسًا حقيقيًّا يهمه كرامة المصريين في الخارج قبل الداخل، وتذوقنا جميعا طعم الدموع الممزوجة بالإحساس بالحرية والفخار والعزة وفضل الله تعالى من قبل ومن بعد.
هذه الخطابات التي تضمنت هذه المعاني ،بما نكاد نعجز عن التعبير عنه، ينبغي أن نقابلها اليوم بالقيام بواجبنا مع الرئيس الذي نشعر لأول مرة أنه رئيس منا، جاء بإرادتنا، ونصبناه باختيارنا، وارتضيناه لأنفسنا؛ ولهذا جاء إلينا في ميدان التحرير ليقسم أمامنا قبل كل شيء، وليحتمي بنا قبل أن يحتمي بالجيش أو الشرطة، ولينصب من نفسه قائدًا وراعيًا للثورة وغاياتها.
إنه لا يجوز لنا أن نطالب الرئيس برفع الأجور قبل أن نؤدي عملنا بإتقان وحب وإخلاص وتفانٍ، ولا يقبل منا أن يكون كل همنا مصالحنا الشخصية دون نظر إلى المصالح الكلية العامة الخاصة بمصر وأمنها ومكانتها بين الأمم، ولا يصح لنا أن نطالب الرئيس بتنظيم المرور ونحن لا نحترم قواعد المرور، بل يطغى بعضنا على بعض، ويسيء كلٌّ منا للآخر، ولا ينبغي لنا أن نطالب الرئيس بتنظيف مصر، ونحن نرمي القمامات في شوارعها، ولا يقبل منا أن ننتظر جمال البيئة وحفظها ونحن نسيء إليها ونهدر جمالها، ولا يصح أن نطالب الرئيس بالأمانة مع شعبه ونحن لسنا أمناء مع أنفسنا ولا في عملنا ولا مع الناس...
إن ذا القرنين بحسبانه في القرآن نموذجا للحاكم العادل والموفق لم يعمل وحده، وإنما أسهمت معه رعيته في بناء الوطن حين قال لهم في سورة الكهف: "فأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفيْنِ قَالَ انْفخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً".. تأمل في ألفاظ: "أعينوني"، "أجعل"، "آتوني"، "ساوى"، "انفخوا"، "جعله"، "آتوني"، "أفرغ"... فهي كلها أفعال جماعية من الرعية وفردية من الحاكم، كل فعل جماعي من الرعية يتلوه فعل فردي من الحاكم، وهذه هي حقيقة العمل الجماعي المبارك، الحاكم والمحكومين معا... فماذا كانت النتيجة؟: "فمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً". كان البناء محكمًا لم يستطع أحد أن يعلوه، ولا أن يثقبوا فيه ثقبا؛ لأنه عمل متين قوي نتاج إسهام الجميع بما يستطيع وبما يحسن ويتقن.
إن رب الأسرة لا يمكن أن ينهض بها دون باقي أفراد الأسرة، لابد أن يكون لكل فرد في الأسرة دور حتى تنهض الأسرة وتكون أسرة نموذجية يقصدها الناس، ويقتدي بها الناس، وتكون لبنة حقيقية، وقيمة مضافا في صرح المجتمع، يقودها ربُّها، ويرسم لها خططها ورؤيتها، عبر مبادرات الأفراد وتفعيل الشورى وتفويض المسئوليات.
إن الرئيس كما نطلب إليه فإنه يطلب إلينا، وكما نترقب منه فإنه يترقب منا، وكما ننتظر منه فإنه ينتظر منا الكثير والكثير ... نريد أن نطلق مشروعات للنهضة والتطوير، مشروعات للنظافة، ومشروعات لمحو الأمية، ومشروعات لكفالة المعوزين، لا نريد أن نرى مصريًا في شوارع مصر يسأل الناس إحسانا، نريد أن نكون يدا واحدة للعمل على رفعة مصر، وإعادة مكانتها بين الأمم؛ لتفعل فعلها، وتقوم بدورها الذي غاب عن المنطقة منذ سنين .. بالرئيس والشعب معا تُبنى مصر وتسترد عافيتها، وإن يد الله مع الجماعة، والله أكبر وتحيا مصر.
---------------