1- مدخل: الكناية الممهدة
يدخل الشاعر ناصر صلاح إلى ديوانه الجديد "بقلع الضرس" مستثمرًّا الطاقة المتدفقة للكناية من خلال هذا العنوان الذي اختاره لديوانه.
ذلك أن هذا العنوان في التحليل اللغوي الأولى عبارة عن تعبير اصطلاحي أي تجمع لفظي يتكون من أكثر من وحدة معجمية بسيطة، ويقع في الاستعمال اللغوي بانتظام وله دلالة ثابتة على حدِّ تعبير "وفاء كامل فايد" في مقدمة (معجم التعابير الاصطلاحية في العربية المعاصرة)، وهو ما يقترب إلى حدٍّ بعيدٍ من مفهوم الكناية بما تكتنزه وتختزنه في داخلها من مجازية فاعلة ومدهشة وجاذبة.
وهذا التعبير الاصطلاحي الذي استعمله الشاعر عنوانًا يدور حول معنى المشقة والمعاناة البالغة، تقول وفاء كامل في معجمها ص99 مدخل 133 (بقلع/ بخلع الضرس.. استعمال دارج مصري يعني بصعوبةٍ بالغةٍ وبمشقة مع معاناة شديدة).
وهذه العبارة التي وردت تدخل بنا إلى تحليل قيمة الاختيار اللغوي الذي مال إليه ناصر صلاح في هذا الديوان مع تقدير قيمة مقدرته في ميدان شاعرية الفصحى؛ ذلك أنه يرى أن العامية في هذه المرحلة أكثر فاعليةً عندما تشتبك مع هموم الناس، وتهدف إلى الالتحام العاطفي مع الجماهير، وهي وجهة نظر لها أنصارها في الكتابات الثقافية المختلفة، يقول: "سفوروزا" في كتابه (الجينات والشعوب واللغات) ص 215 "تبدو العامية أكثر كفاءةً لأنها أثرى في الاتجاهات العاطفية، ثم إن المثقفَ قد يُفضِّل كلمة سوقية (عامية) لا لشيء إلا لأنها تروع مَن يسمعها ومَن ثم يكون تأثيرها قويًّا".
ومطالب التأثير القوي المباشر والجمالي السريع هي بعض طموحات ناصر صلاح في هذا الديوان، ومن أجل ذلك افتتح ديوانه العامي بهذا التعبير الاصطلاحي الصادم القاسي الكاشف في الوقت نفسه.
ومن أجل ذلك كذلك كانت لحظة التنوير الشعرية الكاشفة التي جاءت أشبه شيء بحاشية تفسيرية على العنوان- متأخرة مكانيًّا- حيث جاءت قصيدته بقلع الضرس والديوان يختتم أوراقه، يقول ص88:
وكان قلعك بقلع الضرس
.................................
وقلع الضرس ما يكفي
فتحت الضرس كام دمل
وكاااااام خراج بيرعاه سوس
تقولش تتار.. تقولش باسوس
2- تقنية الحلم واليقظة
ويفتتح ناصر صلاح ديوانه بقصيدة بداية الكلام ص9 المؤرخة بتاريخ 8 فبراير 2011م ومنتهيا بقصيدة خلاصة الكلام ص90 المؤرخة بتاريخ الأول من يناير 2012م، وما بينهما توزعت القصائد على زمان ممتد ربما استغرق نحو عقد كامل هو أقسى عقود النظام السابق ظلما وقسوة وفجورًا واستبدادًا، وما شئت من أوصاف السواد فقل.
وهذا التصميم إن كان مقصودًا فهو استثمار لتقنية تصميم الديوان في صورة قصيدة واحدة من 35 فقرةً لها مفتتح ومختتم، وفي صورة حلم انطلق من يقظةٍ هي من صفات مصر الدائمة أو شبه الدائمة أجبرت في لحظة على أن تتخلى عنها لتدخل في غيبوبة قاسية مظلمة بفعل نظام مستبد فاجر، وتصورها القصائد التالية للقصيدة المفتتح ليعود الشاعر من جديد للحديث عن بدايات يقظة جديدة مع قرب الخروج من الديوان أو قل مع أوائل تباشير القيام من النوم.
وحقيقة مصر وحقيقة ميادينها هي ما ينطق بها أول سطور الديوان على الإطلاق يقول ص9:
أجمل ميادين الكون
هو ميدان التحرير
واجمل أجيال الكون
طبعًا جيل التغيير
وتكرار استعمال بنية التفضيل الإطلاقي "أفعل + مضاف إليه معرفة" دال على ما نقرره، ثم يدخل الشاعر في الغيبوبة التي صنعها بطش النظام السابق وفرضها على مصر.
وتظل مصر حلوه، صحيح أن الشاعر يستعمل بمهارة بالغة بلاغة الطباق والمقابلة ليدعم بها المأساة التي كانت قائمة على الصدور، وهي تقنية تحتفظ لمصر بصورتها المشرقة الحقيقية، وتعلن عن وجه السواد الذي علَّق بها بسبب استبداد حقبة ما يُسمَّى الآن بالجمهورية السابقة التي انتهت بسقوط الحاكم المتنحي يقول الشاعر:
مصر حلوه بس لولاد الكلاب
مصر طعمة في بقهم زي الكباب
أما إحنا في بقنا عناقيد مرار
...................................
..................................
مصر حلوة بس نايمة مخدره
مصر مش حاسة إنها متأجره
وبهذين السطرين الآخرين يتأكد وعي الشاعر بتقنية الغيبوبة المستعارة من فن السينما، وهو بعض ما يجعل هذا الديوان مسكونًا بالأمل وروح التفاؤل على الرغم من كل مشاهد الألم والحزن الممتد على صفحات قصائده.
ويلح على حضور مصر ليجعلها شخصية الديوان المركزية بامتياز فهي تكاد تكون الكلمة المفتاح في هذا الديوان، ويأتي التعامل معها من بوابة مجازية الأنثى تلك المجازية العريقة في التقاليد الشعرية العربية.
مصر الأنثى في هذا الديوان تجسيد للذة والمتعة والأمل والرقة والحنو والخصب الخصيب يقول الشاعر:
لكن في مصر الحضارة
مصر التاريخ والنيل
ربما يتأكد لنا تخفيف الشاعر من صور المأساة المصرية من خلال استثمار تقنية الحلم في أبنية كثير من قصائد الديوان؛ ذلك أن الحلم بطبيعته وسيلة عبقرية لإنقاذ النفس من قسوة الواقع وجبروته يقول:
مش كفاية إن حلمه
يعمل احمد فيلم عنه
مات وما اتحققش منه
حتى مشهد
ويقول: (انت بتحلم)، ويقول كذلك: (ولا تحلم في يوم يتهز)، ويقول في آخر قصائد الديوان " خلاصة الكلام":
ما تستعجلوش
ولا تيأسوش
ولا تحلموش
لأن اللي يحلم دا لازم ينام
فلا.. ماتناموش
فحلم اللي نايم وخايف كابوس
وهذا الرفض للحلم في آخر الديوان لا ينقض رؤيتنا لأنه جاء بعد استيقاظ الوطن واسترداده بعض عافيته، هنا يصبح الحلم الذي هو عين الغيبوبة والغياب أمرًا مرفوضًا يستأصل المقاومة.
3- الرومانسية الخضراء (قصيدة الأمل في مواجهة قصيدة الهزيمة)
يمثل ناصر صلاح واحدًا من شعراء الرومانسية الجديدة التي يمكن تسميتها باسم الرومانسية الخضراء التي أسهم المد الإسلامي المعاصر، ولا سيما بعد تراكم شعري ظاهر الانتماء له في تنميتها والارتقاء بها من جوانب مختلفة فكرية ولغوية وفنية تنطلق من رؤية للوجود والحياة.
وناصر صلاح واحد من ألمع شعراء مدرسة الرومانسية الخضراء بدليل معجمه ومفاهيمه وتوظيفه للشخصيات في هذا الديوان، فعلى مستوى المعجم يهيمن المعجم المتفائل المتعاطف مع النور والطبيعة المفعم بالاتحادية الوطنية على كثيرٍ من سطور الديوان.
وقراءة الحقول الدلالية التالية كاشف عمَّا نقرره، فمصر (حلوه/طعمه/حضارة/ تاريخ/ نيل/ محروسة... إلى آخره)، ويتعانق مع هذا المعجم معجم آخر كاشف ودال تتحاور فيه ألفاظ (الطيور/ الأنوار/ عصافير/ شمس الصباح/ نهار/ طهر/ خضرة/ اتحنوا/ حنوا/ فجر يبان/ فرحان/ بنور/ ضي.. إلى آخره).
ويدعم هذه الروح مجموعة أفكار إيجابية داعية إلى عدم اليأس وعدم الاستسلام وانكسار القيود وحطم السجون واقتلاع السدود، ويتأكد هذا الانتماء الذي صنعه الشاعر بنوع انتماء للفكرة الإسلامية في إنسانيتها البديعة المشعة المملوءة بكل الخير، وهو ما يظهر من جنوح الشاعر إلى استدعاء شخصيات إسلامية بالمعنى العام وتوظيفها لخدمة قضايا الديوان من مثل (إمتى يا ضي الفجر جوه سمانا تبان/ إمتى العمل يتفك.. يرجع لنا سليمان)، ويقول: (لو قمه لله/ كانوم دعولها الشيخ حسن والشيخ ياسين)، ويقول (دا ما عدش الوطن اللي.. كانت فيه صيحة القعقاع تهز عروش).
ناصر صلاح بديوانه الجديد يفتح آفاقًا جديدةً لبلاغة جديدة لا تقف عند حدود البكاء وإنما يتجاوزها إلى أجواء البناء، ينطلق مؤمنًا متفائلاً فينعكس إيمانه وتفاؤله على صفحة قصيده إشراقًا وخضرةً وأملاً، يُقدِّر بشاعرية ظاهرة دم الشهيد وآلام السنين وضحايا الحادثات التي طحنت عظام المصريين ووجدانهم لكنه على يقينٍ تام أن الوطن وهو أخذ في الاستيقاظ يخلق جيلاً جديدًا وروحاً جديدةً تلوح في الأفق و.......
وتنضم للفرسان المايخفوش
تحقق كتير من أمل مستحيل
تنور ليالي الضلام اللي جايه مع كل جيل
--------------
* كلية الآداب جامعة المنوفية