عاش الشعب المصري طويلاً تحت سقف الذل والمهانة؛ إذ باع الحاكم شعبه في سوق الرقيق وساحات الشعوب المستحدثة التي لم يقرأ لها التاريخ سطرًا في صفحات الحضارات، عاش الشعب المصري يطرق أبواب البلدان، وتتقاذفه الشطآن، عاش الشباب المصري فترة تفتت العضد، وتقتل الطموح وتستبيح الأمل.

 

والآن إن بلادنا رُدت إلينا بعد غياب، وتحررت بعد أسر، وعوفيت من علة؛ إن بلادنا من أغنى بلدان العالم، تحتاج إلى أبنائها المهاجرين، تحتاج إلى حسن التعامل مع مواردها العظيمة، وصدق الإخلاص في أعمالها، والأمانة على خيراتها، لو أننا حافظنا على بلادنا من كل لص وناهب، فإننا لن نتسول على أبواب الأمم، لو أننا عملنا بكل لن نتسول على أبواب الأمم.

 

لا أحد ينكر أن الأمة التي كانت خزائن الأرض، والأمة التي كانت تطعم الأمم، باتت يومًا من الأيام تتسول على أبوابهم، وتقف على خيام الرعاة، وتستجدي قوتها في الصحارى، وتُلقي كرامتها تحت أقدام شراذم الشعوب.

 

عاشت مصر سنين عجافًا لا لقلة النيل وإنما لغضب إله النيل الذي ضن بخيرات البلاد، ونحر الشعب تقربًا لأبنائه وزوجته، ومات الشعب أمام المعبد، وفاحت رائحة الشعب المقتول؛ فحملها التاريخ لتتسلى بها أجيال الأمم.

 

ولكن عفوًا أيها التاريخ فلتقف، ولتروي حقيقة مصر وشعبها، عفوًا أيها العالم أنت مدينة نحن بابها، نحن نصنع الأحداث لا الأحداث تصنعنا، نحن نحكم الحكام لا الحكام تحكمنا، نحن نغترب لنحضر الشعوب لا لنخدمها.

 

أيها السادة إن ما صنعه الشعب المصري اليوم لا يقل عن أبي الهول أو الهرم إبداعًا، إن الثورة المصرية لهي الهرم الرابع، وعجيبة الدنيا: الثامن والتاسع. فقد عادت الحضارة سيرتها الأولى، وعاد النهر لمجراه، دبت الروح في الجسد، وانتشى الجسم ثائرًا على كل ظلم وكل تخلف، لن يتسول الشعب المصري الكريم على أبواب الأمم وهو أغنى الشعوب، لن يقف على أبواب السادة والعبيد ليعيش عبدًا لأحد.

 

ما أوتينا من جد واجتهاد، ما تسولنا على أبواب الأمم، لو أننا حافظنا على خيراتنا، ما تسولنا على أبواب الأمم، لو أننا راقبنا أموالنا، ما تسولنا على أبواب الأمم، لو طرقنا أبواب خيرنا، ما تسولنا على أبواب غيرنا.

 

أيها السادة إن جدران معابدنا تحكي لنا أن الحضارة إن تآكلت؛ فإنها لا تُهدم، إن مقابرنا تقص لنا أنها إن رُدمت فإنها لا تُعدم، إن مصر قد تمرض؛ لكنها لا تموت.  فلنقم على أقدامنا، وننفض الأتربة من على كواهلنا، ونشمر عن ساعد الحضارة التي رسمنا سطورها للكون، نلتف حول قائدنا، نبني معه نهضتنا، نشد على أيدي الضعفاء، نرشد ونعلم البسطاء، فكل أبناء مصر سواء، ولكن لنضع كل رجل في مكانه، و ليعلم أبناء مصر أن مصر لا بد أن تعيش في قلوبهم؛ كما هم يعيشون في قلبها، وليعلموا أن البلاد بأهلها، والمكان بالمكين؛ فقد آن للضمير أن يستيقظ من نومه، وآن للجد أن يعود إلى قومه، وللراية أن يحملها حاميها، والقافلة يحدوها حاديها. فالإسلام يتيم بدوننا، والريادة هي همنا، فهي لمصر ومصر لها،... والله أكبر... وتحيا مصر.

-------------

* مدرس بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج