يعيش "المجلس العسكري" حالة من الاضطراب تعجز خلفيته "العسكرية" عن انتشاله منها؛ "فالعسكري" كان يتمنى أن يسمع كلمات الامتنان من الشعب بعد انتخابات الرئاسة، تمامًا كما سمعها بعد الانتخابات البرلمانية، غير أن حزمة القرارات السلطوية المتعجرفة التي صاحبت تقدم "د. مرسي" في الانتخابات، كان لها أكبر الأثر في تسميم العلاقة بين "العسكري" والشعب.

 

وأصبح "العسكري"- ربما للمرة الأولى- يعيش في عزلة حقيقية، ويواجه استنكار الجميع، إلا قارعي الطبول ونافخي البخور بالطبع.

 

فلقد انتظر الناس فرحة إعلان رئيس منتخب لترسو سفينة الوطن المضطربة على شاطئ الأمان، لتهدأ النفوس، وتدور عجلة العمل، لكن "العسكري" أبى إلا أن يظهر في المشهد باعتباره "هاذم اللذات" و"مفرق الجماعات"، وأصدر مراسيمه السلطانية التي أظهرت مدى تكالبه على السلطة، ومدى بعده عن مراعاة مصالح الوطن العليا التي طالما صدّع رؤوسنا بالكلام عنها.

 

والآن يتمنى "العسكري"- في تقديرنا- أن يجد مخرجًا مشرّفًا من المصائب التي وضع نفسه فيها مستهينًا بردود أفعال الشعب وقياداته السياسية، لكنه كالعادة ينتظر أفعالاً "قدرية" تنتشله من وهدته، وذلك لعدم امتلاكه خيالاً سياسيًّا، ولا قدرة على المناورة السياسية إن بشكلها الخبيث أو بوصفها الحميد، كما أنه يخجل- أو يخاف-من المستشارين الوطنيين، ولا يقرّب إليه إلا مجموعة من المرضى النفسيين الذين يستحقون مكانًا مرموقًا بمستشفيات التأهيل النفسي وليس بمراكز صنع القرار.

 

لذلك فإن إعلام "العسكري" في حيرة من أمره وتخبط، فبعضهم ما زال يسير في خط "الفزاعة الإسلامية"، وبعضهم يعقد مناحة على ضياع "الدولة المدنية"!، وآخرون سيكافحون الزحف الإخواني الظلامي الذي سيعيد "غزو العثمانيين" لمصر!, وآخرون أمسكوا بتلابيب "الرئيس" يتصيدون كلمة أو تصريحًا أو إيماءة للنيل من شخصه أو أفكاره أو عمله.... "العسكري" يترك كل هؤلاء بلا تعليمات محددة لدرجة أن يتبرع أحد المناضلين "القوميين"! قبيل إعلان النتيجة بدقائق بأن يؤكد أن الفائز هو "شفيق" بنسبة 50.5%، وكأن "الشاويش" الذي يعطيه التعليمات من داخل المخابرات كان يريد حرقه لعدم جدواه لاحقًّا، بل إن تأخر وصول تعليمات "العسكري"، سيحرج "الباحث الإستراتيجي" الذي ملأ الدنيا ضجيجًا على خلو بعض محاضر الفرز من "خاتم القاضي" وشكّك وناضل وجادل لإسقاط صدقية حملة "د. مرسي"... هذا الرجل الآن يتمنى تدشين حملة جديدة ضد "الإخوان"حتى ينسى الناس فعله الساقط... كما لا تحدثني عن الذين يحترقون في مقاعدهم غلاًّ وحقدًا وحسدًا، وتكاد عروقهم تنفجر غيظًا، ولسان حالهم يقول "أين مبارك ليضعكم جميعًا في السجن ويريحنا من مستقبل مظلم يتساوى فيه الجميع معنا؟!".

 

رغم ما مضى فما زال أمام "العسكري" فرصة العمر لينال الشرف الذي ناله "سوار الذهب" القائد السوداني الذي قام بالانقلاب على الفساد ثم سلم السلطة بعد انتخابات نزيهة لم تستغرق عامًا واحدًا.

 

يستطيع "العسكري" أن يستغل فرصة وجود "رئيس" بإرادة شعبية ليتراجع بكرامة عما تورط فيه، ويستطيع أن ينحاز إلى التفسيرات القانونية للفقهاء المخلصين، والتي تعطي "الرئيس" حق "التعديل الدستوري" ليصلح فساد "الإعلان المكمل"، ويستطيع أيضًا أن يوقف أفواج المحامين الذين يرسلهم للمحاكم بغية إسقاط "الجمعية التأسيسية"، كما يستطيع (ألا يضغط) على "لجنة الفتوى بمجلس الدولة" حتى تفسر قراره بحل مجلس الشعب تفسيرًا يستند إلى صحيح القانون.

 

ويستطيع "الرئيس" أن يطمئنهم على أوضاعهم وأن يمد لهم يد التعاون المخلصة، وأن يعلن- في نفس الوقت- كل الحقائق التي أمامه للشعب، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فلا يكون الإعلام المغرض هو الحكم، بل تكون الحقيقة الساطعة هي سيدة الموقف، فنخرج من دائرة "غياب الوعي" وتزييف الواقع، وهنالك سيلتزم كل طرف بمسئولياته, ولن يلجأ للخداع ولا استخدام الإشاعات المخابراتية، ولا الأوهام الصحفية.

 

كما يُنتظر من "مجلس الشورى" أن ينجز خطوة جادة في طريق إصلاح الصحافة، وألا ترتعش يده من هجوم بارونات الفساد الصحفي، وليعلم أن الشعب الآن يستطيع فرز المواقف، ما دامت معايير الإصلاح معلنة وجادة، فإذا انحازت الصحافة للشعب، فإن "العسكري" لن يجد ملجأً أو ملاذًا إلا في التوبة، والعودة إلى أحضان وطن تعب كثيرًا من مغامرات "العسكر" الذين يريدون الحكم وهم عاجزون عنه، ويريدون القيادة وشعبهم يرفض.

 

وأخيرًا، فإن ميادين مصر تنهى أسبوعها الثاني صامدة، ورافضة، وإذا كان "العسكري" يراهن على "الوقت" فإن مئات الآلاف من الشباب الذين يؤدون الامتحانات الآن يتحرقون شوقًا ليتوجهوا بعد أيام إلى ساحات الحرية ليستكملوا جهادًا بدأه إخوانهم، والمتوقع أن تتزايد الحشود الغاضبة في مواجهة الصلف العسكري، وسيضطر "العسكر" للخضوع المذل أمام الشعب الرافض لهم إذا مر الوقت دون التراجع في لحظة مناسبة، قد تحميه من مصير المسجونين والهاربين، ولنتفعه "مليونيات توفيق عكاشة" التي ستكون الوحيدة المساندة له في مواجهة الشعب.

--------------
Mohamedkamal62@ymail.com