جيل بهر العالم بثورته، بانتخاباته، باختياراته، بكل شيء منذ قامت ثورة يناير، جيل صنع ثورة وحضارة وتاريخ يكتب مجددًا لمصر، هو نفسه القادر على إسقاط نظام، وآخر كما أسقط النظام السابق، هو نفسه الذي وقف في ميدان التحرير مهللاً مكبرًا سعيدًا حامدًا الله على نجاح الثورة وتنصيب الدكتور محمد مرسي رئيسًا للبلاد، بعد تكهنات كثيرة ومخاوف من فشلها بعدما افتقدنا أرواحًا نبكي عليها للحظة.

 

لا أعلم كيف هي سعادتي وأنا أجلس أنا وزملائي نشاهد التلفاز بشغف لمعرفة النتيجة الرسمية التي انتظرناها طويلاً بفوز دكتور مرسي على نظيره شفيق، الذي كان يود سحق ميدان التحرير بمن فيه لمجرد إعلانه رئيسًا لكن قدر الله والحمد لله على قدره، بكى الكثير مندهشًا متسائلاً في نفسه هل هذا حلم أم واقع؟ هل دماء الشهداء الطاهرة لم تذهب هباءً؟!

 

أهنئ كل المصريين ولن يخذلنا الله في هذا المرسي الذي سيرسو بنا إلى بر الأمان والاستقرار والنجاح وسوف تصطف مصر على رأس الدول المتقدمة بمشيئة الله، طالما أن الجيل الذي يقوده يعلم جيدًا قيمة التراب الذي يعيش فيه تراب مصر، والوطن الذي ضحى من أجله المئات وبقدرة الآلاف أن يضحوا في سبيل أن يعتلى شأنه، فالمشهد الذي رأيناه قبل إعلان النتيجة بيوم واحد عندما ارتدى البعض أكفانهم، مشهد تقشعر له القلوب والأبدان، وكأنها رسالة لكل من تسول له نفسه بالانجرار وراء الأوهام والغرور وعدم النظر إلى المصالح العليا للبلاد.

 

وهذا الجيل- جيل مصر الحديثة- رأيته بأم عيني، رأيت جيلاً تتلألأ عيناه ناظرة للمستقبل القريب، ولا تعرف الخوف أو الجزع، وكنت في غاية السعادة حينما حللت ضيفًا على طلاب الإعلام بجامعة حلوان الأسبوع الفائت، إثر مناقشة مشاريع التخرج لشعبة الإذاعة والتليفزيون، وأبهرتني عقول الشباب المصري وإعلاميو مصر القادمون الذي يعلم الرسالة الحقيقة لهذا الجهاز الضخم، ولحظة وقوف إحدى الطالبات لمناقشة مشروعها والذي جاء بعنوان "نور"، وفجأة بكت ولم تستطع الاستمرار في المناقشة، وانتظرت لوهلة ثم استكملت لتخرج من حديثها الرئيسي وتدخل في حديث آخر تشتكي من خلاله تعامل أحد الأساتذة لهم طوال عام كامل مما أثر في نفوس البقية من الطلاب وتعاطف معها الجميع بعضهم بالتصفيق الحار والآخر بالبكاء.

 

كانت لجنة التحكيم آنذاك الأستاذ أحمد زين رئيس قناة (الجزيرة مباشر مصر) السابق، وإحدى مخرجات الأفلام الوثائقية، بالإضافة إلى أستاذة الإعلام ووكيلة الكلية الدكتورة نائلة عمارة، التي ما لبثت تصمت طوال حديث الطالبة ويبدو عليها الغضب من صمت الطلبة طوال عام كامل، ويبدو أنها طبيعة المصريين، دوام الصبر حتى انفجار بركان الغضب وساعتها لا تستطيع أن تطفئها، أصبحت أشاهد بصمت لعلي أجد ردود فعل أخرى، وهو ما كان، وجدت مصر الحديثة التي كنت أنتظرها، قطعت الدكتورة نائلة المناقشة وخرجت بصحبة الطالبة لتعتذر لها ولتتفهم منها كل ما يحدث وما كان يحدث حتى يمكن تفادي الماضي ومعالجة أخطائه في المستقبل، مشهد الأستاذ والطالب يجلسان معا كأنهما أصدقاء لم نكن نراه إلا قليلاً في الماضي لكن لن ينتهي في المستقبل في بلد العدل سيحكمها، وجيل لا يصبر على الخطيئة، وما كان من الأستاذ أحمد زين إلا أن هب واقفًا وقالها صريحة "إنتوا جيل جامد جدًّا ومصر بتتشرف بيكم"، ووقف الزميل الكاتب الصحفي والإعلامي الدكتور محمد فتحي ليعتذر لها ويعلن عن أسفه لما حدث، وقال لي أثناء استقلالنا سيارة الأستاذ زين: "زي ما فيه عشوائية في الطرق وفي كل مكان فيه عشوائية حتى في أساتذة الجامعات وأتمنى من الله ألا يعود هذا الزمن مرة أخرى"، لعلها الطامة الكبرى التي يجب أن نتخلص منها مستقبلاً ألا وهي "العشوائية".

 

وفي ظل حالة الزخم السياسي التي تعيش فيها البلاد، ومحاولة وسائل الإعلام التركيز على وجوه بعينها أصبحت أكثر شهرة من الفنانين ولاعبي الكرة، وجدت أكثر تلك المشاريع تركز بلا غضاضة على الغوص في حياة المواطن البسط، وطموحاته، وأهدافه، وما هو السبيل لتحقيق حياة رغدة حتى لو دفع حياته "المهمشة" ثمنًا لها، بالإضافة إلى التركيز على الفئات المجتمعية التي لا يستشعر بها أحد حتى القيادات السياسية والمسئولة بالدولة، أبرز هذه الفئات "الأقزام" الذين لا حصر لعددهم حتى الآن حتى من قبل الجهات الرسمية ممثلة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وحصل هذا المشروع على المركز الأول من بين كل المشاريع لأنه خرج عن المألوف، وجاء تحت عنوان "ناقص واحد".

 

وحينما جلست مع هؤلاء الإعلاميين القادمين أسألهم عن طبيعة هذه الأفكار وكيف لهم تبنيها في وقت الكل يسير في اتجاه واحد للتركيز على الأحداث الساخنة التي مرت بها البلاد في فترة تجاوزت العام ونصف العام، وهي نفسها الأحداث التي تحقق أعلى نسب مشاهدة وكذا عائدات إعلانية ليست باليسيرة؟، سؤالي هذا حاولت من خلاله الدخول في حياة الإعلام الواقعي ولمعرفة هل لديهم اختلاف فكري عما يقدم أم لا، وجاءني الرد منهم على لسان الزميل باهي الفايد أو ما هو معروف لديهم باسم أحمد محمود عطوة قائلاً "وليّ عصر القيادات السياسية ومجاملة السلطة على حساب المواطن البسيط الذي تجاهله الجميع، فالإعلام الذي تعلمناه يعني الإنصاف للجميع وليس لفئة بعينها تنعم برغد العيش ومتع الحياة"، هذا الرد أبهرني حقيقة وتمنيت أن أكون واحد من هؤلاء.

 

تلك التجربة التي ذكرتها سالفًا لا أكتبها على سبيل القصة التي يتشوق البعض لسماعها أو قراءتها لكن لا بد علينا من أن نتفهم طبيعة الأجيال ومن ثم التعامل مع معطيات هذا الواقع بناءً على ثقافة جيله، ولا بد أن نقف جميعًا يدًا واحدةً في سبيل تحقيق نهضتنا وبناء عقول أبنائنا وفتح مجالات الحوار للتعرف على ما لدينا من كنز دفين ألا وهو شبابنا، الذي حرك المياه الراكدة وغير مجرى الحياة في مصر وقدم روحه لنعيش ونرى ما نحن فيه الآن، ولديه المزيد ليعطي أكثر، فمن خلاله اجتمع الجميع على كلمة واحدة ووقف أمام العالم ليعرفه حقيقة المصريين، الذين عانوا طويلاً وتحملوا من أعباء الدنيا ما لا يطاق.

 

وهي نفسها الرسالة التي أود توصيلها إلى كل من يهمه أمر وشأن هذا البلد العظيم، إلى كل القيادة السياسية الجديدة اتقوا الله في مصر وأهلها وشبابها وشيوخها وأطفالها، عليكم بالنظر في أمور المهمشين الذين هم أساس اعتلاء أي قيادة للسلطة ولولاهم ما كان ولن يكون.

 

علينا أن نحتفي بهذا الجيل الذي يطل علينا يومًا بعد الآخر بتجاربه الجياشة بالأمل، وعلينا جميعًا أن نكون يدًا واحدةً في سبيل نهضتها فلا قيادة ناجحة إلا بشعب يريد وينجز ويحقق، يكد ويعمل، أيضًا علينا ألا نحمل القيادات مسئولية كل شيء ونحن لا نفعل أي شيء، فإيجابية المصريين وزغاريد النساء والاحتفالات العارمة التي رأيتها أول أمس أود أن أراها في موقع العمل وفي كل أرجاء الحياة وأن نقف بجوار رجل لم يطلب السلطة ويتحمل أعباءً هو في غنى عنها، وفق الله الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية لما يحبه ويرضاه.

 

لك الله يا مصر
--------------
للتواصل مع الكاتب:
M_alashaby@yahoo.com