الوطن في جبيننا غرة، وعشق ترابه أنشودة يفطم عليها الصغار، مصر، كبغداد الرشيد، وحاضرة اليمن السعيد، وبلاد الشام التي تئنُّ تحت حكمٍ نصيري فاجر، سقط مَن استباحوا الشعب بعد فترةٍ وجيزةٍ من المقاومة، أبهرت الدنيا، ورسَّخت في نفوسنا معان طالما قرأناها دون أن نُدركها، مفادها أن بيتَ الظالم أوهنُ من بيت العنكبوت.
سقط مبارك الذي جثم على صدر مصر ثلاثين عامًا، تقلَّب فيها الشعب بين الفقر، والجوع، والمرض، وُزِّعَت ثروات الوطن الذي يئنُّ بفعل المنتسبين إليه على حفنةٍ من أنصار النظام، جُيشت الجيوش، وكان سيف أمن الدولة مصلتًا لم يُغمد يومًا على كل المصلحين والشرفاء، قامت الثورة فكتم العالم أنفاسه، وحبست الدنيا أنفاسها وهي ترقب ما يفعله المصريون.
سقط مبارك في ثمانية عشر يومًا وخرج وانحنى دون أن يُودِّع شعبه، ذهبت معه التسعة وتسعون في المائة التي كانت تُؤيده وفقًا لإحصاءات النظام في آخر نتائج خاضها في انتخابات صورية، ذهبت الملايين أدراجًا، ووقف المصريون، وقفت مصر بنيلها، وسواد أرضها، وفقر أهلها لتقول للطاغية لقد طفَّ الصاع، وطفح الكيل ولم يعد في مقدورنا أن نصبر أكثر من هذا، فكانت (الشعب يريد إسقاط النظام ).
أراد الشعب فخرَّ النظام صريعًا، أراد الشعب فتهاوت القلاع، وخارت القوى، وتكسَّرت العظام، وذهبت الأنياب أدراج الرياح، سقط الشهداء، تناثرت الدماء الزكية فأتت على بياض نظام مصطنع وغسلت أدران الماضي، ثأرت لحصار غزة، ولرفات المصريين في سيناء، ولخيرات مصر المنهوبة، لم تغن عنه من قبضة الشعب شيئًا.
زال الرأس وظلَّ الجسد يعبث ويتحرك، اختفى الفلول عن المشهد، كلٌ نفض عن نفسه عار الحقبة الماضية، وظهر طابور من المنافقين، ارتدوا ثياب الناصحين، وتمسحوا في الثورة وروَّجَ لهم إعلام صنعه الفلول وأتباعهم على عينه، ولم يصمد في ساحة الإعلام أمام إغراء المال سوى قلة محترمة من الأقلام الشريفة صاحبة التاريخ الناصع، قالت كلمة الحق في وقتٍ كانت الساحة تموج بأقلام المرتزقة، والذي مرَّغوا ببلاط صاحبة الجلالة الأرض، أصم الإعلام أذنه عن أصوات الملايين، وذبحوا مرشح الرئاسة على النصل، سلقوه بألسنةٍ حداد، ما خلت قناة من هجومٍ هنا، وسخرية هناك، بل تطاول أحدهم بحمل إطار كاوتشوك، مشيرًا إلى أنه كان مرشحًا احتياطيًّا سخريةً منه، صمد الرجل، وشاءت إرادة الله أن تكون الفاصلة على يديه، ولم أكن أستغرب كيف تآمر نظامٌ بأسره على بلد بحجم مصر فقزَّم دورها، وعزلها عن العالم العربي، وحوَّلها إلى معبر مسدود، تحرَّكت جيوشها لا لتحرر القدس بل لتحل المعضلة في أي بلدٍ عربي، حصل الأمريكيون منه على ما لم يحصلوا عليه بالجيوش في بغداد وبلا ثمن.
عاد الفلول ليطلوا برءوسهم يغذيهم إعلام الدولة، وخلايا النظام النائمة في صورة مبارك المعدل (شفيق)، أوهم الإعلام الناس أنه قاب قوسين أو أدنى من الفوز، الكل حبس الأنفاس، ترى أتضيع دماء الشهداء هدرًا!، كأن ثورتنا لم تكن، لكنها إرادة الله الغالب، ذكر رئيس وزراء فلسطين متعجبًا من سجون مصر، دخلها يوسف سجينًا فأصبح عزيز مصر، ودخلها محمد مرسي فأصبح رئيسًا لمصر، أراد الله فدحر مبارك الظلَّ ثانيةً لكنها هذه المرة بعدما جيشوا الجيوش وأنفقوا الأموال، وبعدما أسقطوا معهم أقنعة الكثيرين، فبان الإبريز، وانكشف العوار، وشتان بين الثرى الثريا، وبين التبر والتبن.