مرسي أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًّا في التاريخ، كل القوى السياسية والمالية والإعلامية داخليًّا وخارجيًّا تحالفت لإعاقته،  لقد مارس المجلس العسكري ما يفوق الوصف لتزوير نتيجة الانتخابات، ولولا الحشود بالميدان لاستطاع ذلك، والسبب في استمرار الحشود بعد نجاح "مرسي" هو معركة السيادة بين طرفي الصراع الحقيقيين فليس الصراع بين العسكر والإخوان كما يصوره البعض ولا بين الدولة الدينية والمدنية كما يصوره إعلام الفلول،  فلا مرسي يمثل الدينية ولا شفيق يمثل المدنية،  فهو صراع مخترع، لا يمس مصالح المواطنين، على مصطلحات غير محددة المعنى، وناتج عن التغريب الثقافي لتفتيت القوى الوطنية المفترض أنها متفقة ضد الوصاية العسكرية في بلدٍ محسوم فيه شعبيًّا ودستوريًّا هوية الشعب ومرجعيته الإسلامية، هناك خلاف وعدم ثقة بين الإسلاميين والعلمانيين تم تضخيمه إعلاميًّا بدعمٍ خارجي لإحداث استقطاب أيديولوجي لمنع الاصطفاف الوطني ضد المخلوع ثم ضد العسكر الآن والثورة المضادة، لكن الخلاف مع الثورة المضادة يمثل صدامًا طبيعيًّا جذريًّا مرتبطًا بدماء الشهداء ونهب ثروات البلاد وإذلال العباد.

 

- الصراع الحقيقي بين "الشعب والعسكر" ولا ينبغي لأي وطني شريف أن يقبل بالتحالف مع العسكر أو الاستقواء بهم على أي فصيلٍ آخر، وليس معنى ذلك أن كل مَن ينازع العسكر على السيادة يريدها للشعب، فأغلب النخب وكثير من الساسة لا يؤمنون بسيادة الشعب التي يقرها الإسلام، وهذه مشكلة تراكمية لا بد من إعطائها أولوية في الفترة القادمة.

 

- السيادة لا بد أن تكون للإرادة الشعبية بمعنى أن تنتقل السلطة من العسكر غير المنتخبين إلى المدنيين المنتخبين، ومجال الصراع الفعلي حاليًّا يتمثل في إلغاء قانون الضبطية القضائية الذي يعيد حالة الطوارئ، كذلك تسوية أزمة حل البرلمان المنتخب ديمقراطيًّا، والتراجع عن الإعلان الدستوري المكمل الفاقد للشرعية الشعبية، وإلغاء مجلس الدفاع الوطني الذي يُسيطر عليه العسكر، وكلها إجراءات عسكرية انقلابية على الثورة لحرمان الرئيس من صلاحياته الدستورية، وللتخلص من برلمان الثورة لينفرد العسكر بإلغاء اللجنة التأسيسية الحالية، وتعيين بديل لها تابع لهم تمامًا حتى يتم كتابة الدستور الدائم على هوى العسكر.

 

- مشكلة الرئيس أنه أمام تحالفٍ داخلي خارجي، داخليًّا كل مكونات النظام البائد من أجهزة الدولة العميقة الأمنية والمخابراتية والإعلامية والمالية مع عددٍ من المستفيدين قد يصل لنصف مليون مواطن، فضلاً عن قوى الهيمنة الخارجية كالصهاينة، التي تتعارض سياساتها جذريًّا مع أي نهضةٍ لمصر والمصريين، والرئيس ليس أمامه إلا الاستناد إلى الشعبية الداخلية للتصدي للهيمنة الخارجية المتحالفة مع قوى الثورة المضادة الداخلية.

 

- أمام الرئيس معضلة بعد انتقاله من منصب رئيس حزب لرئيس الدولة، فلقد كان سابقًا يعارض حكم الدستورية في حل البرلمان الشعبي بالكامل، والآن كيف سيتصرف وهو رئيس دوله بصدد حكم المحكمة الدستورية (لنفس الدولة) والذي يتعارض جذريًّا مع الشعب الذي يمثله الرئيس الذي نجح في الانتخابات؛ لأنه يمثل ثورة الشعب، معضلات خطط لها ونفذها العسكر لإعاقة الرئيس الجديد، هدم برلمان تم بناؤه ديمقراطيًّا لأول مرة في تاريخ مصر "أول برلمان شعبي" يعني العسكر في مواجهة وصراع مع الشعب، وسبب الهدم هو بعض تفاصيل قانون الانتخابات التي وضعها العسكر عمدًا لاستخدامها لاحقًّا لهدم ما تم بناؤه عن طريق المحكمة الدستورية التي تمثل إحدى أدوات العسكر الاستبدادية، فالأطفال التي تلعب بالرمال على شواطئ البحار لا تقوم بالبناء والهدم بهذه الطريقة الهزلية.

 

- فالرئيس أمامه إشكالية "الاعتماد على عدوه" وهي أجهزة الدولة العميقة المشار إليها سابقًا، بالإضافة لبعض كبار رجال الأعمال الذين جمعوا ثرواتهم أيام المخلوع، والذين تعمدوا في الشهور السابقة كشف البورصة لإعاقة اقتصاد مصر لتكفير الناس بالثورة.

 

- وبالتالي على كل القوى السياسية إعطاء الأولوية الآن "لحب الوطن قبل الغير من الإخوان"، ومن أهم الإنجازات أخيرًا هو تأسيس جبهة الثورة للعمل على تحقيق أهدافها وللعمل بالتوافق السياسي بدلاً من التفتت الأيديولوجي لمصلحة العسكر، فنحن أمام مرحلة "حياة أو عودة إلى الموت" أمام دولة عسكرية بوليسية لا هي دينية ولا مدنية، نظام عسكراني لا هو رئاسي ولا برلماني، نظام "قداسة عسكرية" يتبنى إحياء مشروع التوريث "القبلي" لمعشر العسكر بدلاً من التوريث "الأسري" لعائلة المخلوع.

 

ليس أمامنا إلا الاصطفاف الوطني لتحقيق مطالب الثورة، والمشوار طويل، فالبحر من خلفنا والتجربة التركية مع العسكر أمامنا والله ناصرنا.

------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار-
HASSANELHAIWAN@HOTMAIL.COM