بين "الأمس" واليوم تقف الأحداث والعبر في كتب التاريخ، في انتظار من يُعيد اكتشافها ويتحسس قسماتها، لكي يقرأ بها الحاضر والواقع جيدًا، ويستدرك بها ما ضلَّ طريقه بين ركام الروايات، فبين زخم الأحداث ربما تختفي الرسائل والدلائل، وتتوه التفاصيل، وتتساقط الأقنعة، وتتناسى الأعين الآلام والانتكاسات، حتى يردعها سياط التاريخ من جديدٍ فينجلي عنها الغبار.
من حين تولي المجلس العسكري إدارة البلاد، وهو يحاول مريرًا بطرق ملتوية إطالة الفترة الانتقالية، فلم تنجح محاولاته المستميتة مرورًا بـ"وثيقة الجمل والسلمي" في خلق كيانً منفرد لا يخضع للرقابة والحساب في السلطة القادمة، إلى أن أراد أن يختم أيام بقائه في الحكم، بإعلانه عن صدور وأجنحة معلبة بطبق "كمالة للدستور"، فلم يكتفِ بأننا ما زلنا نتذكر الأحداث المأسوية التي عاشتها مصر في ظلِّ إدارته، إلا أنه يُصرُّ على زيادة الفجوة بينه وبين الشعب.
لمَن لم يقرأ التاريخ، لقد كان الاختيار مطروحًا أمام الشعب المصري في سنة 1952م، بين بقاء الضباط في الحكم لإنجاز مبادئ الثورة، وبين عودتهم إلى ثكناتهم وإحالة المسألة إلى حكومةٍ مدنيةٍ تُنفِّذ مبادئ الثورة، وكما نعلم أن لكل عصرٍ خفافيش تعمل في الظلام، ظهرت عناصر أغرت وشجَّعت على بقاء الضباط في السلطة، وانخراطهم في الحياة المدنية مع التمتع بصفاتهم العسكرية، وطافت مظاهرات مستأجرة في شوارع القاهرة تهتف "لا" للديمقراطية، وذهبت إلى مجلس الدولة رمز الدعوة إلى الحياة الدستورية المدنية، وانهالوا بالضرب على المستشار السنهوري باشا بمجلس الدولة، ومنذ تلك الحادثة الشهيرة في تاريخ مصر والشعب المصري يدفع ثمن أنه لم يتصد للذين قالوا "لا للديمقراطية"، ولم يدافع عن حقِّ السنهوري باشا.
التاريخ الآن يعيد تكرار حلقاته، وعلينا الاختيار، أما أن نرضي ببيادة العسكر، أو نلتفَّ حول الدكتور مرسي الرئيس الشرعي المنتخب، الذي أصبح بوابةَ الأمل في دخول ثورة يناير إلى مرحلة الشرعية الدستورية، التي خذلنا بها "المجلس العسكري"، فلقد آن الأوان أن ننتبه لتداعيات وممارسات أقل ما يُقال عنها أنها ستؤدي بنا إلى طريق الهلاك، ولقد حان الوقت الذي تتنحى فيه الانقسامات والخلافات لنحافظ على مبادئ العدالة وسيادة الأمة والوحدة التي ظلَّت آمال معقودة حتى نجاح الثورة تنفيذيًّا.