ليس منطقيًّا ولن يكون مقبولاً أن تنتقل مصر من حكمٍ عسكري مباشر إلى وصاية عسكرية على الحكم المدني المنتخب بعد ثورة 25 يناير وتضحيات مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين والمعذبين.

 

ليس مقبولاً أن يفسد المجلس العسكري على الشعب فرحته بالانتقال السلس إلى الحكم المدني من الحكم العسكري الذي جثم على أنفاسنا لمدة ستين عامًا، فيعمد ومعه تابعوه في أجهزة الدولة العميقة إلى اتخاذ حزمةٍ من القرارات المتتالية، وكأنهم يريدون خطف غنيمة قبل أن يصل إليها غيرهم، ومن هذه القرارات: منح الضبطية القضائية لرجال المخابرات الحربية والشرطة العسكرية في التعامل مع المدنيين، وإصدار حكم غريب بحل مجلس الشعب بالكامل رغم أن الدعوى التي كانت معروضةً على المحكمة تخص ثلث المجلس فقط، وكذا رفض الطعن بعدم دستورية قانون العزل، وصولاً إلى إصدار إعلان دستوري مكمل دون تفويض شعبي أو تشاور مع القوى السياسية الرئيسية، أضف إلى ذلك التدخل المبكر في مؤسسة الرئاسة عبر تعيين أحد الجنرالات رئيسًا لديوان رئيس الجمهورية وإن تراجعوا عن هذا التوصيف الوظيفي لاحقًا ليعدلوه إلى مسئول عن الشئون المالية للقصر الرئاسي، وأخيرًا إعادة تشكيل مجلس الدفاع الوطني ليضم أغلبية كاسحة من العسكريين حتى ولو كان برئاسة رئيس الجمهورية، والهدف من الإجراءين الأخيرين تحديدًا هو وضع الرئيس الجديد الذي أصبح معلومًا لهم وهو الدكتور محمد مرسي أمام أمرٍ واقعٍ يصعب عليه تغييره، لكن من الواضح أن مَن أصدروا تلك القرارات لا يعرفون الدكتور مرسي جيدًا فهو شخص شديد المراس لا يمكن تطويعه أو فرض أمر واقع عليه، وسيكون حريصًا وقادرًا على ممارسة كل سلطاته كرئيس منتخب شعبيًّا.

 

نحن الآن أمام منظومة سياسية جديدة يريد المجلس العسكري أن يشكلها على عجل قبل نقل السلطة إلى الرئيس المنتخب في 30 يونيو وفقًا للتعهدات السابقة، هذه المنظومة تستلهم النموذج التركي قبل التعديل، أي أننا نبدأ من حيث ابتدأت الدولة التركية الأتاتوركية وليس من حيث انتهى ذلك النموذج، نموذج يقوم فيه مجلس الأمن الوطني بدور مماثل لمجلس الأمن القومي التركي (قبل التعديل)، وتقوم فيه المحكمة الدستورية بدور نظيرتها في تركيا، وتقوم فيه بعض القوى السياسية بدور نظيرتها المتعلقة بالعسكر في تركيا، قد يقول قائل: إن الأتراك ناضلوا كثيرًا للتخلص من وصاية العسكر على الحياة السياسية، واستغرق نضالهم عقودًا كثيرة، وساندهم في ذلك الاتحاد الأوروبي الذي يسعون للانضمام إليه، ونقول لهؤلاء: ونحن أيضًا ناضلنا كثيرًا، بل قمنا بثورة عظيمة ضد الحكم العسكري، والثورات عادةً تختصر الطريق، فما يمكن أن تبلغه بعد عقودٍ من النضال السياسي السلمي تحققه الثورات خلال أيام قليلة، وهذا ما ينبغي على المجلس العسكري الاقتناع به، إذ يبدو أنه غير مقتنع حتى الآن أن 25 يناير لم تكن ثورة؛ بل كانت مجرد هبة شعبية، أو مجرد حركة إصلاحية استهدفت وقف مشروع التوريث فقط مع تعديل بعض التشريعات التي تتيح قدرًا أكبر من الديمقراطية والحرية، وهو ما تحقق، وينبغي التوقف عند هذا الحد!!.

 

كانت المعركة منذ بداية الثورة وحتى اليوم هي نقل السلطة بشكل حقيقي وكامل من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، وحين صوَّت الشعب بأغلبية كبيرة لصالح التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011 بقيادة القوى الإسلامية كان ذلك بالأساس خارطة طريق واضحة لهذا الانتقال لولا أن العسكر تنصلوا لاحقًا من استحقاقات هذه الخارطة، والتي كان من المفترض أن تنقلنا إلى حكم مدني  كامل بعد ستة أشهر من تاريخ الاستفتاء؛ أي في شهر سبتمبر الماضي، وظلَّت معركة تسليم السلطة هي الهاجس الأكبر الذي تحكم في تصرفات القوى الإسلامية لاحقًا، حيث كان امتناعه عن المشاركة في بعض المليونيات بهدف سد الذرائع على المجلس العسكري، وقد ظهرت نوايا المجلس العسكري في رفض تسليم السلطة بشكل حقيقي للمدنيين حين تصاعدت الأزمات المعيشية للمواطنين، وطالبت الأكثرية النيابية بتمكينها من تشكيل حكومة ائتلافية تخلف حكومة الجنزوري لإنقاذ البلاد والتصدي للمتلاعبين بالأسواق، وهنا جاء الرفض من المجلس العسكري، وجاءت المساومة لوضع يده على الحكومة التي يريد حزب الحرية والعدالة والأحزاب الأخرى تشكيلها حيث طلب المجلس العسكري أن يكون هو صاحب قرار تعيين ومساءلة عشرة وزراء سياديين، وهو ما رفضه حزب الحرية والعدالة، وهذا ما دفع الحزب وجماعة الإخوان لتصحيح القرار السابق بعدم الترشح لرئاسة الجمهورية، استكمالاً لمعركة نقل السلطة.

 

يزعم المجلس العسكري أن الإعلان الدستوري المكمل هو ضرورة لسد الفراغ في بعض الأمور، ومنها غياب سلطة التشريع بعد حل مجلس الشعب، وطريقة قسم رئيس الجمهورية الجديد، ولو كان المجلس صادقًا في الانتقال السلمي للسلطة لنقل سلطة التشريع إلى مجلس الشورى الذي لا يزال قائمًا، كما أن المحكمة الدستورية لم تكن مضطرةً أبدًا ولم يكن هناك أي وجه للاستعجال لإصدار قرار حل مجلس الشعب قبل الانتخابات الرئاسية، ولم تكن هناك أضرار يتعين تداركها من بقاء مجلس الشعب لمدة أسبوعين أو شهر حتى يحلف الرئيس القسم أمامه.

 

هي الرغبة إذن في استعادة احتكار المجلس العسكري للسلطة مجددًا لأن "الطبع يغلب التطبع"، ولأن احتكار السلطة هو أمر غريزي لدى العسكريين في العالم الثالث، كما أن الرغبة والنزوع إلى الحكم المدني هو أمر غريزي لدى كل المدنيين على اختلاف توجهاتهم.

 

وكما كان إصدار الإعلان الدستوري المكمل أمر مفاجئ وصادم، كان أيضًا الإعلان عن إعادة تشكيل مجلس الدفاع الوطني بأغلبية عسكرية كاسحة هو أمر مفاجئ أيضًا، فرغم أن هذا المجلس منصوص عليه في دستور 1971، ومنصوص عليه أيضًا في الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 في المادة 54 ( ينشأ مجلس يسمى "مجلس الدفاع الوطني" ويتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويختص بالنظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ويبين القانون اختصاصاته الأخرى) إلا أن المجلس العسكري ظل صامتًا طوال الفترة الماضية، ولم يتذكر هذا المجلس إلا قبل أيام قليلة من نقل السلطة، ما أعطى انطباعًا سلبيًّا كنَّا بغنى عنه.

 

لقد كشفت النتائج غير الرسمية للانتخابات الرئاسية الأخيرة أن الثورة لا تزال حاضرة، وأن دماءها لا تزال تجري في عروق الشعب، وأن شعب هذه الثورة لن يقبل بأقل من ديمقراطية كاملة وانتقال كامل للسلطة بدون لف أو دوران.