لم تتوقف آلة الإعلام المضلل مذ أعلنت نتيجة الانتخابات الرئاسية بالإعادة بين أحد رموز الثورة، وأحد رموز النظام الفاسد السابق، الممثل لجبروته واستهانته بكرامة الناس ودينهم ومستقبلهم، والمتوعد لمخالفيه والرافضين له بسوء العاقبة، والمدعي أن الإسلام في مصر يمثل طائفيةً ينبغي التخلص منها، مثلما يجب التخلص من الآيات القرآنية في المناهج التعليمية، أو وضع آيات من الإنجيل- لم يضف التوراة!- كي لا تكون هناك طائفية في مصر، مع التشديد على رفض الشريعة الإسلامية وما يتعلق بها، وإضافةً إلى ذلك تهديده الخصوم بكشف ملفاتهم وأسرارهم، وهي ملفات وأسرار تملكها الأجهزة الأمنية وحدها مما يعني أن هناك مَن يقف وراءه رسميًّا في حملته الرئاسية.

 

والدليل على ذلك منح الموظفين في الدولة إجازة رسمية في اليوم الثاني من أيام التصويت في المرحلة الأولى، ثم ما رشح من أخبار عن ضغوطٍ تمارسها الحكومة على المحافظين لتوجيه الموظفين للتصويت لصالح مرشح النظام الفاسد!

 

مرشح الثورة مشكلته أنه ينتمي إلى الإخوان المسلمين، والنظام الفاسد بينه وبين الإسلام ثأر لا ينطفئ؛ لأن الإسلام هو رمز المعارضة الحقيقية التي رفضت إجرامه وظلمه واستباحته للقيم ونهبه ثروات الشعب، وتحويله ملايين المصريين إلى مرضى بفيروس الكبد والسرطان والفشل الكلوي والضغط والسكر والفقر المقيم!

 

وإذا كانت الثورة تسعى لاستعادة مصر الحرة وكرامتها المهدرة واستقلالها الضائع وثرواتها المنهوبة، فإن حملة الإعلام الرسمي والخاص على الإخوان المسلمين، التي تشارك فيها الأقليات السياسية التي تحتكر قيادة الثورة والتحدث باسمها، تثير العجب والريبة، وكأن الإخوان المسلمين، هم الذين سرقوا حرية مصر، ونهبوا ثرواتها، وحرموها نعمة الاستقلال، وأخضعوها للعدو والدول الكبرى، وفرطوا في نيلها وباعوا آثارها، وأغرقوها بالمخدرات، وتحالفوا مع أمن الدولة ليدخلوا الأبرياء المعتقلات ويعذبوهم حتى الموت، ويمنعوا المساجد والمنابر أن تعبر عن الإسلام وقيمه وعطائه العظيم.

 

يقول أحد الأبواق إن الإخوان تحالفوا مع مبارك بدليل أنهم دخلوا مجلس الشعب عام 2005 بثمانين نائبًا، هل هذا تحالف أن يدخل الإخوان إلى مجلس الشعب بصفتهم "مستقلين" محظور عليهم أن يرفعوا شعارات إسلامية، مع تعرضهم للحصار والملاحقة والاعتقالات أيام الانتخابات من جانب أجهزة القمع، هل هذا تحالف؟

 

التحالف الحقيقي- كما يعلم المصريون- كان مع الأحزاب الكرتونية التي تدعي الثورية أو الليبرالية، وتحصل على مقعدين أو عشرة، وتتنافس لإرضاء النظام كي يرضى عن بقائها وخدمتها له، في تقديم معارضة شكلية أمام العالم، وبعد أن فشل مرشحوها مؤخرًا في الانتخابات التشريعية والرئاسية، يلعبون اللعبة ذاتها مع العسكر بالدخول في مجالس شكلية، وتخريب الجهود التي تسعى لتشكيل لجنة تأسيسية لوضع الدستور، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها من أجل ما يسمى الدولة المدنية، وكأن الإسلام دين كهنوتي يمنح الغفران ويحكم بالحرمان، أو دين عسكري يحكم بالنبوت، ويجعل من العباسية بروفة لما سيأتي من مذابح واعتقالات؟!

 

للأسف الشديد فإن الخاسرين في الانتخابات الرئاسية يلعبون الدور نفسه الذي تقوم به الأحزاب الكرتونية التي لا وجود لها على الأرض، فهؤلاء الخاسرون، يتقمصون أدوار الزعيم الملهم والمهزوم الأكبر – 45 عامًا على هزيمة يونيه 1967م وآثارها لم تزل!– وكأننا نرى مجددًا من يستعيد إنتاج "أنا مش خرع زيّ مستر إيدن!".. قليلاً من التواضع والرؤية الناضجة بدلاً من العنجهية والغطرسة وتورم الذات، والرغبة في الانتقام من أصدقاء الأمس!

 

إن المهزومين حين يملون شروطهم على مرشح الثورة الذي ينتمي إلى الإخوان المسلمين يظلمون أنفسهم قبل الوطن، ولا يعقل أن نجد مرشحًا خاسرًا يرى أنه قدَّم تنازلاً عظيمًا باللقاء مع المرشح الثوري الإخواني، ويطلب منه أن يُوقِّع على وثيقة إذعان واستسلام لإرادة سيادته الفاشية التي ترى في الإسلام كارثةً يقع الشعب تحت مطرقتها!

 

لقد بح صوت الناس ليدخل المرشحون قبل الجولة الأولى يدًا واحدةً، ويتفقوا على توزيع المناصب بما يطمئن الشعب، ويمنع أعوان النظام الفاسد من العودة إلى سدة الحكم والانتقام من الثوار، وفرض إرادتهم الإجرامية على الشعب مرةً أخرى.. ولكن أحدًا لم يسمع، ولم يستجب، ورضوا أن يدخلوا المنافسة التي أخرجتهم، وجعلتهم يتجرعون كأسًا مرة، لم يكن هناك داعٍ لتجرعها، لو أنهم اعتصموا بحبل الله، وقدموا مصلحة الإسلام والأمة على مصالحهم الشخصية!

 

لقد كان وصول مرشح النظام الفاسد إلى مرحلة الإعادة حافزًا على تجميع صفوف اللصوص الكبار الذين سرقوا بالقانون، وزيادة نشاط أجهزة القمع الفاشية، وعودة عملائها للظهور على شاشة الفضائيات، وأخذنا نقرأ تقارير أمنية على هيئة تحقيقات وموضوعات في صحف عامة و خاصة، ورأينا إعلامًا يتعامل مع مرشح الثورة بفظاظة وغلظة غير مسبوقين، ومع مرشح النظام الفاسد بتسامح ورقة غير مفهومين (!) لدرجة توظيف بعض الفنانين وبتوع الكرة لخدمة المرشح الحكومي بحجة أن المرشح الإسلامي سيمنع الفن والكرة ويغلق أبواب الأوبرا والمسارح وخمارات وسط البلد!

 

ثم تجد الأقليات السياسية ترفع في وجه الناس أنها ستقاطع الانتخابات لأن المرشحين أحلاهما مرّ؟ لماذا يا سادة تجعلون المرارة في الاثنين؟ هل الإسلام بغيض إلى هذا الحد؟ هل صار الإسلام تهمةً ينبغي التبرؤ منها ليكون الإنسان تقدميًّا مستنيرًا؟ هل سرق المرشح الإسلامي أموال الدولة؟ هل صفَّق للمخلوع؟ هل نافقه وشجَّعه على قهر المعارضين أعداء النظام؟ هل دخل المعتقل ليتنزه ويتفسح ويتحالف مع مبارك؟

 

الطريف أن مرشح النظام الفاسد يرى أن اعتقال الإسلاميين كان للتأديب والتهذيب، ويجب أن يأخذوا منه العبرة، ويطالب المرشح الإسلامي أن يراجع نفسه بسبب الاعتقال- وإني لأسأله: يراجع نفسه في ماذا؟ في ثباته على المبدأ، وإصراره على عقيدته، ورفضه للطغيان والاستبداد البوليسي الفاشي؟ هل تريدنا يا مرشح النظام أن نمشي بجوار الحائط ولا نواجه الطواغيت، ونقبل بالذل والعبودية؟

 

لقد هدد مرشح النظام بإغلاق حزب النور لأنه يتحدث عن الشريعة. فهل هذه ديمقراطية؟ وهل صار الأمر في حلِّ الأحزاب بيديه؟ وهل هذه دولة القانون؟ وهل نسي أن الشعب المصري شعب مسلم في غالبيته الساحقة؟

 

نحن نرفض إعادة النظام، ولو عاد- لا قدر الله- فلن يسمح له الشعب الحر أن يبقى طويلاً!.