استيقظت للفجر وأنا أردِّد قوله تعالى (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)) (القمر)، أخذ لساني يردِّدها ذهابًا وإيابًا وبحركة لا شعورية لفتت انتباهي بشدة طوال اليوم حتى ذهبت الحرم النبوي، وهناك التقيت بإحدى الأخوات فتعرفت عليها من خلال حديثها مع بعض الجالسات عن إفك الإعلام هذه الأيام، وأسمعتني من الجمل ما أشجاني وأبكاني؛ حيث قالت: أنا تأملت مبدأ "مصلحة الإخوان" المزعوم فوجدته موهومًا والإعلام المدفوع هو المروّج له، وإن كل القنوات بل معظمها غير منصفة بالمرة لهم، وما لفت انتباهي- والكلام لها- عبارة أحدهم: "إذا شوهت وسائل إعلام الديكتاتور شخصًا ما فاعلم أنه وطني شريف"؛ إذ إن ما يحدث مع الإخوان الآن أكثر مما يتحمَّله بشر عادي، لا بد أن لديهم ما يتحمَّلون من أجله كل هذه الضغوط والتجريح والتضليل أكثر من كونه سلطة أو غيره؛ فهو شيء يفتقده الكثير.

 

ثم انفعلت بحدة وهي تقول: "ماذا لو أن مكائد بقايا النظام أفلحت في إقصاء الإخوان عن مسرح الرئاسة وتركنا لمرشحين يفتقدون الكثير من التضحية وإنكار الذات، وهذا تكشف مع كثير من المرشحين الخاسرين هذه الأيام، وتشتّت أمرنا بينهم، فقاطعتها: لماذا ترجعين إلى الوراء وقد طويت صفحات وصفحات ونحن الآن في مواقف وأحداث جديدة؟!

 

ردَّت بحماس أسكتني: أولاً: إن اليوم ابن أمس، فأعلم ما كان في أمسي حتى أعلم ماذا سيكون في يومي إن شاء الله، ثانيًا: قراءة الأحداث من وجه واحد تعكس صورة ضوئية مشبوهة غير حقيقية.

 

قلت لها: أنت من الإخوان؟

قالت: أتمنى..

قلت: لك خلفية كبيرة عن الإخوان؟

بادرتني: بعد الثورة قرأت عنهم كثيرًا وأخذني الفضول للبحث عن تاريخهم من كتبهم وليس من أفواههم فقط.

 

ثم سألتني وأنا أشفق عليها من كثرة نقاشها مما لا يدع مجالاً لأحد غيرها بالكلام: لماذا من يتبع الضلالات لا يرى سوى رأيه وسيناريو واحدًا فقط يحدده هو لأي مشهد سياسي مثل محمد محمود؟! لماذا يصرون على أنه لو اجتمع الإخوان معهم لكان خيرًا لهم؟! لماذا لا يتصورون سيناريو آخر غيره؟!

 

لماذا يفرضون رأيهم ومن يخالفهم يكون خائنًا.. بائعًا للثورة.. أجرى صفقة.. ودائمًا هم على صواب وغيرهم على خطأ؟ مع أن غيرهم ذاق سجونًا وتعذيبًا واضطهادًا ولم يسب ولم ينتقم؟!

 

أنا أسألك- والكلام لها موجَّهًا لي-: ما الذي يتعلمونه حتى يجعلهم لا ينتقمون ولكن لا يكونون سلبيين، لا يسبون ولكن يحسنون و لا يسيئون؟

 

قلت لها: غريب أن أجد في هذه الآونة من يتكلم على الإخوان بمثل هذه الحماسة ويغازلهم هذا الغزل!!.

 

فقالت: أنا أنظر نظرة المنصف بحق لا نصف حق، بذلك أنا أقول وغير راضية عما سأقوله: أتخيل أن يفوز شفيق؛ ثم أرى من يقاطعون ومن يتشرطون ويتحكمون ويتنطعون الآن على مرشح الإخوان ماذا سيكون حالهم بعد شفيق؟

 

ولو أن هناك مرشحًا قويًّا ليست قوة طغيان وقهر بل قوة بالله ثم بمؤسسة لها أعضاؤها ومكاتبها في كل محافظات مصر، من من المرشحين كان سيواجه كل هذا الضغط وحده مهما وصل عدد مرشحيه من العامة والأحزاب التي ليس لها ثقل الحرية والعدالة؟!

 

قاطعتها: يقينًا ليس لكِ أحد من أهلك أو أقاربك في الإخوان؟!

 

قالت: لا.. لكن الراغب لمعرفة شيء بحق تتجلى له الحقائق وأنا أخشى على نفسي وأولادي وأهلي في وطني، هذه ليست كلمات وشعارات، فمن هو الذي سيعيد لي ولأولادي الأمان؟ من سكت على قتلنا  في الميدان؟! من هو الذي يضمن لي حياة كريمة؟ من منحنا البونبون أم من حماني أنا وبناتي؟ من هو الذي يتحمل المسئولية ويخشى الله فينا؟ حافظ القرآن أم حاذفه؟ من هو الذي سيكون العدل ميزانه؟ من يملك قصور القهر أم من لا يملك سوى راتبه وفرصة النهب كانت أمامه؟ من هو الذي يشعر بي وبآلامي؟ من يعيش في ثكنات أم من يعيش في ميداني؟

 

قطع شجون مشاعرها صوت الحق يعلو بالأذان لصلاة العشاء، ثم صلى الإمام بقوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)) (القمر)، ودَّعتها وانصرفت أردِّد (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ)!!.