- تاريخ التأسيسية.. 5 أشهر من الفرقة والعراقيل المصطنعة ومساع ضخمة للبرلمان
- د. محمود السقا: كان يمكن التوافق من شهور؛ لأنه ليس هناك أزمة من الأساس
- نائب رئيس محكمة النقض: العسكري هو مَن يحاول خلق الأزمات لشقِّ الصف
- د. عادل عامر: التوافق أثبت أن احترام إرادة الشعب فوق كل اعتبار
تحقيق: إيمان إسماعيل
توافقت القوى السياسية على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور بعد عراقيل غير مبررة استمرت أكثر من 5 شهور، حاول المجلس العسكري فيها عرقلة عملها بأي شكل من خلال بث الفرقة بين القوى السياسية، والتي اختتمها بمحاولة الترويج لفكرة الإعلان الدستوري المكمل في حالة عدم اتفاق القوى السياسية على تشكيل اللجنة، إلا أن شهادة وفاة العسكري كتبت قبل وفاة الإعلان الدستوري المكمل..!
التوصل إلى حلٍّ نهائي بشأن اللجنة التأسيسية للدستور كتب شهادة وفاة للإعلان الدستوري المكمل الذي أعلن عنه المجلس العسكري، بالرغم من أنه لا يملك صلاحيات لذلك من الأصل حتى يعلن عنها.
ليس من اختصاص المجلس العسكري التشريع أو رسم شكل مصر مستقبلاً إنما هي مهمة الجهة التشريعية الوحيدة المنتخبة، وهي مجلس الشعب، ولا بد من احترام إرادة الشعب الذي أدلى بصوته في الانتخابات.
بدعة الفراغ الدستوري التي تحدَّث عنها العسكر والأبواق الإعلامية التابعة له وللنظام البائد، لا تنطلي على أحد، فالمجلس العسكري نفسه يحكم البلاد لأكثر من 15 شهرًا دون أن يحدث فراغ دستوري كما يدعون، فلماذا لا تنتقل صلاحيات المجلس العسكري طبقًا للإعلان الدستوري إلى الرئيس القادم لحين الانتهاء من كتابة الدستور؟ سؤال يفضح مخططات العسكر لعرقلة الثورة وإعادة إنتاج النظام البائد.
تاريخ التأسيسية
بإلقاء نظرة سريعة على العراقيل غير المبررة التي وُضعت أمام تأسيسية الدستور على مدار الـ5 أشهر فسنجد أن في 3 مارس الماضي عُقد اجتماع مشترك لأعضاء مجلسي الشعب والشورى غير المعينين؛ لوضع المقترحات أعقبها اجتماع آخر يوم السبت 17 مارس لمناقشة المقترحات، ثم في 24 مارس تم انتخاب اللجنة التأسيسية لتمارس عملها، وأعقب التشكيل برقيات شكر من الكثيرين ممن تمَّ اختيارهم في اللجنة إلى رئيس مجلس الشعب، وشعر الجميع بأن هناك توازنًا حقيقيًّا في اللجنة.
ولكن سرعان ما انقلبت الأمور بعد تدخل مَن لا يريد الوحدة والاستقرار لمصر للتمزيق بين القوى السياسية، وتمَّ الضغط على الجميع حتى مَن أرسلوا برقيات شكر على ضرورة أن ينسحب من اللجنة التأسيسية!؛ حيث كانت عبارة "الأغلبية لا تضع الدستور" هي الأبرز المستخدمة في الهجوم على الدستور وواضعيه، بالرغم من اتفاق جميع الأحزاب والتيارات على هذا المبدأ، إلا أن الطرف الآخر كان يحاول استخدام هذا الشعار لتشويه دستور مصر القادم إن لم تكن لـ"الأقلية اليد العليا في وضعه"!!
عراقيل غير مبررة
تبنَّت هذا الطرح بعض الأحزاب ذات الوزن الخفيف التي لا تتمتع بقاعدة جماهيرية ملحوظة في الشارع المصري ولم يتعدَّ عدد مقاعدها بمجلس الشعب في أحسن الأحوال 20 مقعدًا، لكنَّ صوتها كان الأعلى باستخدام وسائل الإعلام المختلفة، والتي كانت غالبيتها تابعة لنظام المخلوع، ورغم كل محاولات إقصاء الإسلاميين من الجمعية التأسيسية وتقليص نسبة تمثيلهم فإن الكتلتين الكُبريين بالبرلمان "الحرية والعدالة" و"النور" اتفقتا على تقديم التوافق لضمان تمثيل جميع التيارات في الجمعية، وألا تأتي نتيجة التصويت خاليةً من أحد التيارات المهمة في المجتمع.
احتدم الأمر بين ديكتاتورية الأقلية التي يُحركها المجلس العسكري وبين حقيقة التوازن الموجود باللجنة التأسيسية للدستور، وفي 27 من مارس قامت محكمة القضاء الإداري نظر الدعاوى التي تطالب بإعادة تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وفي نفس اليوم عُقد اجتماع صوري بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة والأحزاب السياسية لبحث أزمة اللجنة التأسيسية التي خلقها بيده، ولكن دون التوصل لحل؛ لأنه لم يكن يهدف إليه من الأساس!!
مساع لمِّ الشَّمل
لتتواصل مساع الإسلاميين للمِّ الشمل؛ حيث قام الكثير من الأعضاء بالعرض على المنسحبين بإمكانية خروجهم من اللجنة ودخول َمن يرتضونه مكانهم إلا أن التعنت على رفض تشكيل اللجنة دون أدنى مبرر، وكشف الدكتور محمد البلتاجي عضو اللجنة العامة بمجلس الشعب أن اجتماعًا تمَّ بينه وبين عدد من الذين أعلنوا انسحابهم في الإعلام بينهم (عمرو حمزاوي، وعمرو الشوبكي، وعصام سلطان) الذين بعد أن توافقوا على خروج 15 عضوًا من الحرية والعدالة والنور ودخول شخصيات ليبرالية وعلمانية مكانهم إلا أنهم بعد ساعة من الاتفاق انقلبوا عليه، وقال بعضهم: "لقد مورست علينا ضغوط للانسحاب ولن نكمل الاتفاق"، وظلت الضغوط تتواصل من هنا وهناك على كل من لم يعلن انسحابه من اللجنة على إجباره على الانسحاب- وذلك وفقًا لما أقر به بعض الأعضاء المنسحبين!!
بعد صدور حكم محكمة القضاء الإداري في 10 أبريل الماضي بوقف تنفيذ قرار مجلسي الشعب والشورى بتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، تواصلت مساع البرلمان للمِّ الشمل في شهري مايو ويونيو، وقدَّم الكثير من التنازلات سواء في عدد الأعضاء الممثلين منه أو في آلية الاختيار أو في مختلف المعايير، إلا أن التعنت ما زال مستمرًّا من قبل الأقلية، إلى أن حدث توافق فطالب البرلمان بصيغة قانون "المعايير" ليتضمن ما تمَّ الاتفاق عليه من قبل القوى السياسية على معايير تشكيل التأسيسية لتحصين عمل اللجنة من الجهة القانونية، إلا أن الأقلية رفضت وكالعادة بلا مبرر، وظلَّ الوضع على ما هو عليه..!
وفجأةً ليثير المجلس العسكري أزمة التوافق حول التأسيسية من جديد من عدة أيام وقبل جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية؛ على الرغم من استحالة وضع الدستور في أسبوع، إلا أن العسكري ألمح باحتمالية إصداره لإعلان دستوري مكمِّل إذا لم يحدث توافق!
وفي يوم 7 من الشهر الجاري اجتمعت القوى السياسية وبعد اجتماع دام 8 ساعاتٍ توصلت الأحزاب إلى اتفاق أخيرًا على أن يكون على النحو الأتي: 15 عضوًا من خبراء القانون والهيئات القضائية بواقع عضو من كل من: المحكمة الدستورية العليا ومجلس الدول والقضاء العادي وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، و10 أعضاء من خبراء القانون الدستوري.
كما اتفقت الأحزاب على أن تضم التشكيلة: 9 أعضاء ممثلين عن المؤسسات الدينية بواقع 5 ممثلين عن الأزهر الشريف، وعضوين عن الكنيسة الأرثوذكسية، وعضو عن الكنيسة الكاثوليكية، وعضو عن الكنيسة الإنجيلية، كما تضم 6 أعضاء من الاتحادات النوعية والعمال والفلاحين بواقع: عضو عن اتحاد عمال مصر وعضوين عن نقابة الفلاحين وعضو من اتحاد الغرف الصناعية وعضو من اتحاد الغرف التجارية.
وتمَّ الاتفاق على أن تضم التشكيلة 3 ممثلين عن السلطة التنفيذية هم: عضو عن جهاز الشرطة وعضو عن المؤسسة العسكرية، ووزير العدل ممثلاً عن الحكومة، كما تضم التشكيلة 7 أعضاء من النقابات المهنية، وهي نقابات: المحامين، والصحفيين، والمهندسين، والأطباء، والصيادلة، والمعلمين، واتحاد النقابات الفنية، كما اتفقت الأحزاب بصورة نهائية على أن تمثل الأحزاب السياسية بـ39 عضوًا، وأن تضم الجمعية 21 عضوًا يمثلون الشخصيات العامة، مع مراعاة تمثيل الشباب والمرأة والأقباط في كل البنود السابقة.
ووافق المجتمعون على أن يكون التصويت داخل الجمعية بالتوافق، وإذا لم يحدث يتم التصويت بنسبة "الثلثين+ 1" أي 67% من الأعضاء في أول جلسة، وإذا لم تتوافر النسبة يؤجل الاقتراع لمدة 48 ساعة ثم يجري التصويت بنسبة 57%.
ليس من اختصاصه
![]() |
|
المستشار وليد الشافعي |
بدايةً يقول المستشار وليد الشافعي نائب رئيس محكمة النقض بالإسكندرية: إن الإعلان الدستوري المكمل الذي حاول إصداره المجلس العسكري ليس له أي مبرر قانوني ولا سياسي ولا مجتمعي؛ لأن المجلس يقود البلد لفترةٍ انتقاليةٍ وليس من حقه تجاوز اختصاصاته.
وبين ضرورة أن يكتفي المجلس العسكري بالإعلان الدستوري الموافق لـ19 مارس ويلتزم به، ويترك التشريع لهيئة منتخبة وهي مجلس الشعب، أما سعيه لتشكيل الدولة الفترة الانتقالية القادمة فهو أمرٌ غير مقبول بالمرة.
وقال: إن على المجلس العسكري المضي قدمًا وفق خارطة الطريق الموضوعة من قبله وعدم الحياد عنها بأي شكلٍ، مشددًا على ضرورة احترام نتيجة الاستفتاء التي أقرَّها الشعب وارتضاها، وليس كل مَن يريد التعديل ننفذ له طلباته؛ لأنه عهد ولا بد من حفظ العهود.
وبيَّن أنه لا يوجد أي مبرر لإثارة مثل تلك القضية قبل الانتخابات الرئاسية بأسبوع؛ حيث إنه من المستحيل وضع دستور في أسبوع واحد، فالاتفاق على معايير للجنة التأسيسية للدستور يستغرق أسبوع كامل، ووضع الدستور من كتابته وصياغته يستغرق من 3 إلى 4 شهور على الأقل، متسائلاً: ما النتيجة التي سنأخذها ممن أثار مثل تلك القضية في ذلك التوقيت؟ إلا التشرذم ومزيد من الفرقة!!
الفراغ الدستوري.. إشاعة
وأكد أنه من حق الرئيس القادم العمل بالإعلان الدستوري حتى يتم وضع الدستور كاملاً فلن يكون لدينا فراغ دستوري كما يروج البعض ولن تكون هناك إشكالية على الإطلاق فلدينا مؤسسة تشريعية ستقوم بوضع الدستور على الفور.
وحذَّر من محاولات إحياء دستور 71 أو أي دستور سابق لأن الشعب قال كلمته بعد ثورة 25 يناير ولن يقبل بأي دستور قديم؛ لأنه قال كلمته في الإعلان الدستوري وقضي الأمر فيه، فلا بد للدستور الجديد أن يعبر عن احتياجات المواطن الذي ثار في 25 يناير الماضي والتي قامت من أجلها الثورة؛ لا أن أعيدها له مرةً أخرى بعد سنة ونصف من إيقافه!! .. ورأى أنه إذا حدث ذلك فسيحدث صدام مباشر مع الشعب.
إرادة الشعب
![]() |
|
د. محمود السقا |
يقول الدكتور محمود السقا الفقيه القانوني وعضو مجلس الشعب إن الإعلان الدستوري المكمل الذي روَّج له البعض الفترة الحالية يعد قلبًا للحقائق وللمنطق؛ مؤكدًا أنه ليس من اختصاص المجلس العسكري أي جهة تشريعية على وجه الإطلاق.
وأضاف أنه حتى ما أسفر عنه اجتماع المجلس العسكري مع جزءٍ من الأحداث السياسية منذ فترة هو غير قانوني بالمرة، ولا يجوز العمل به على الإطلاق ورفضه مجلس الشعب بأغلبية؛ حيث نصَّ على أنه في حالة عدم اتفاق القوى السياسية على صياغة محددة للدستور حتى يوم الخميس الموافق 7 من يونيو سيحاولون إحياء الدستور رقم (71) من جديد مع تكميل بعض المواد فيه.
وأوضح أن كثرة المتقولين وكثرة الاقتراحات والاعتراضات من جانب الكثيرين حول اللجنة التأسيسية هي التي أدَّت إلى تأزيم الوضع بالشكل الماضي، مؤكدًا أن صناعة الدستور لا تستدعي كل هذا الكم من اللغط والمشكلات، وأهل القانون وفقهائه على درايةٍ بكل ذلك.
وأكد أنه لا يجد أي مبرر لتعنت بعض نواب البرلمان بعد اتفاقهم على معايير أساسية للجنة التأسيسية للدستور الذي به محددات معينة لاختيار الأعضاء بأن يصاغ ذلك في قانون المعايير حتى يعتبر بمثابة تحصين للقانون ولا يخرج كل دقيقةٍ معترض عليه، إلا أن هناك من النواب من تعنتوا ورفضوا إصداره بلا أدنى مبرر!!
شق الصف
وأضاف الدكتور عادل عامر الخبير في القانون العام ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية أنه لا مناط ولا سبيل غير احترام إرادة الشعب واحترام الشرعية الدستورية التي أدلى الشعب برأيه فيها يوم 19 مارس، والتي حددت معايير تشكيل الجمعية التأسيسية واختصاص البرلمان والتوافق على التأسيسية يعد انتصارًا للشعب المصري.
وأكد أنه لا يجوز تعديل أي مواد، وعلى رأسها المادتان (60)، (28) إلا باستفتاءٍ شعبي، مبينين أن عدم احترام القواعد المنظمة للشرعية الدستورية أمر غير مقبول على الإطلاق وهدفه إثارة الفوضى وشق الصف.

