الشائعات إذن وصلت إلى حد غير مسبوق من الكذب والخسة وبيع الضمير في سوق النخاسة، من أناس يلبسون أفخر الثياب أمام شاشات التلفاز، ونرى صورهم وكأنهم أناس محترمون، وهم يتاجرون باسم الوطن، ويكادون يبكون خوفًا على مصير بلدهم الذي يعشقونه إذا ما تسلمها الإخوان المسلمون، كما كان يخرج قادة الحزب الوطني ويلقون أشعارهم في حب مصر أمام الجماهير، ثم يبدؤون في التخطيط لعملية جديدة يزيدون فيها أرصدتهم في بنوك الخارج من أموال هذا الشعب المسكين.

 

الشائعات إذن وصلت إلى حد تكسرت على أعتابها قواعد المنطق، ويظل ينظر إليها العقل بكل أسى وحزن، أن تصل التفاهة إلى هذا الحد، ويدمى لها القلب من كثرة الحقد والغل الذي يفتك بالنفوس..

 

وكلهم يتحدثون باسم الوطن.

 

انظر إلى حجم الشائعات وكثرتها وتنوعها، فأتذكر أنها لعبة قديمة يمارسها الباطل في مواجهة الحق عندما يصل إلى حد الإفلاس، عندما يرى نفسه ضعيفًا منهزمًا لا يقوى على أن يتحدث عن نفسه لأنه مجروح من شعر رأسه إلى أخمص قدميه، ويرى الحق واثقًا قويًّا صامدًا، فلا يجد أمامه إلا وسيلة واحدة: أن يكذب ويكذب ويكذب حتى يصدق الناس كذبه.

 

تلك كانت نظرية "جوزيف جوبلز" مستشار الدعاية السياسية لهتلر في عصر ألمانيا النازية، كانت نظرية "جوبلز" أن ما يملك وسائل الإعلام يستطيع أن يكسب المعارك الباردة والساخنة، ولا يشترط في ذلك أن تكون صادقًا أو كاذبًا، وهو صاحب الشعار الشهير: "اكذب، حتى يصدقك الناس".

 

فعلها من قبل المنافقون في المدينة، حينما أشاعوا ما لا يصدقه عقل على السيدة عائشة، لقد بلغت بهم الجرأة والوقاحة أن ينسبوا إلى السيدة التي زوجها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، أنها فعلت الفاحشة مع صفوان بن المعطل عند العودة من غزوة بني المصطلق.

 

كان الإفك عظيمًا مدهشًا مفزعًا صادمًا مربكًا..

 

لكن ألأكثر دهشة والأكثر فزعًا، أن هناك من صدقه من المسلمين الذي يعرفون جيدًا السيدة عائشة ودينها وورعها وخلاقها.لقد صدقوا الإفك الذي روجه شخصيات عرفت بمشكلاتها النفسية ومطامعها المادية، ولم يكتفوا بذلك، بل أذاعوا ما صدقوه.

 

واليوم تكثر أحاديث الإفك، وتتحرك الآلة الإعلامية رافعة شعار "جوبلز" على قنواتها وجرائدها: اكذب حتى يصدقك الناس.
اعرف ما يصيبنا ويصيب كل المخلصين من هذا الشعب من هم وغم وألم، لكنى اعرف أيضًا أن هذا الدين العظيم قد أكرمنا بأسلحة نواجه بها مثل هذه المواقف ونحن مطمئنو البال واثقون في الله متوكلون عليه.

 

كيف نواجه الشائعات والهجوم علينا عمومًا

 

إذا كان الطرف الآخر قد اتخذ هذا الطريق منهجًا له، فإن ديننا الحنيف وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ترشدنا إلى عدد من القيم والمفاهيم التي تجعلنا نثبت عند الشائعات، ونرد على ما نلاقيه من هجوم في ثقة واطمئنان، لعل منها ما يلي:

 

أولاً: فهم الدوافع وراء ترويج الشائعات

 

يلجأ مروج الشائعات إلى هذه الطريقة لسببين:

 

الأول: أنه وجد الطرف الآخر قد وصل إلى درجة من القوة لا يستطيع هو تحملها، وأنه نفسه قد بلغ مرحلة من الضعف لا يستطيع ها أن يقدم حوارًا منطقيًّا عقلانيًّا يقنع به الناس ويكسبهم في صفه، عن طريق رؤية واضحة وبرنامج مميز له، لذا فهو يلجأ إلى تشويه الطرف الآخر بقوة، وهي طريقة يلجأ إليها كل الفاشلين الذي يجدون أنفسهم بعيدون كل البعد عن المنافسة الشريفة، ولا سبيل لنجاحهم إلا إطلاق الشائعات الطرف الآخر.

 

الثاني: أنه يريد إرباك الطرف الآخر وصرفه عن العمل، بحيث يظل تركيزه طوال الوقت منصبًا على في الرد على الشائعات، ويضعه باستمرار في موقع المتهم الذي يظل في موقف الدفاع باستمرار.

 

ثانيًا: توجيه الناس للتعامل الصحيح مع الشائعات
بالقطع لا بد أن نكون منتبهين للشائعات وكيفية الرد عليها بحجج مقنعة وأسلوب هادئ، ولكن ينبغي أيضًا أن نحصن الناس من الاستسلام للشائعات (خطباء المساجد لهم دور كبير في ذلك)، حيث نذكر لهم خطورتها على المجتمع وإحداث الفتنة فيه، وأن موقف الإسلام كان حازمًا من مروجي الشائعات، حتى وصفهم بالفسق حيث قال:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6) (الحجرات).

 

وأن هذه الآية تكشف أنه ليس كل ما يقال صحيحًا، وأنه ينبغي أن نسأل أنفسنا أولاً هل هذا الكلام صحيح أم خطأ، وإذا كان هناك شك فكيف نتحقق منه.

 

ثم نشدد على الناس أن عليهم أن يتأكدوا أولاً مما سمعوه قبل لن ينقلوه، فالحديث الشريف يقول: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع"

 

وأنه ينبغي على الناس أن يحسنوا الظن أولاً بمن تصدر في حقه الشائعة، خصوصًا أنه إذا كان معروفًا عنه التدين والصلاح.

 

 ثانيًا: الصبر

 

لولا الصبر لما انتشرت دعوة الإسلام، ولما نجح المسلمون في أن يعبروا كل المحن العظيمة التي واجهوها في سبيل نشر دعوتهم، ولقد واجه الرسول والصحابة أضعاف أضعاف ما نواجهه اليوم، وتعددت المواقف الصعبة، والتي كان ينظر إليها الناس ليقولوا إن أمر المسلمين قد انتهى، الحصار في شعب بني هاشم الذي استمر ثلاث سنوات عصيبة وكأنها عملية إعدام بطيء للمسلمين، غزوة الأحزاب التي تجمع فيها عشرة آلاف مقاتل من أنحاء الجزيرة، توجهوا إلى المدينة وكلهم إصرار أن ينهوا أمر هذه الدعوة تمامًا.كان الصبر على المواقف الصعبة، والصبر على أذى الناس، هو السلاح الذي يقوى ظهور الصحابة ويجعلهم يستمرون في العمل حتى جاء النصر من عند الله.

 

إنه وعد الله الذي لا يخلفه، أن النصر يأتي مع الصبر، مهما كان حجم الإيذاء ومهما كانت كثافة الهجوم، طالما ارتبط الأمر بالفهم السليم والإخلاص لله.

 

قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ) (الأنعام: من الآية 34).
فلنصبر على ما يقال فينا وعنا، ولنصبر على أهلنا إذا انخدعوا، ولنصبر على آذاهم إذا ما أذونا، ولنصبر على مشقة العمل فلا نكل ولا نمل.

 

ثالثًا: الانكسار لله

 

إنها عبادة الانكسار والخضوع والتذلل لله، إنها من أحب العبادات إلى الله عز وجل، إنها العبادة التي نقول فيا لربنا إننا بدونه لا نساوي شيئًا، مهما بلغت قوتنا ومهما بلغ عددنا ومما كانت المؤشرات في صالحنا، فبدون رضاه عنا وبدون وقوفه بجانبنا نكون قد خسرنا كل شيء، فلنتذلل إلى الله في صلواتنا وفي أحاديثنا، في سرنا وجهرنا، كما كان يردد نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم تذللاً لربه وهو يقول:

 

"اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضِ في حكمك، عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي".

 

رابعًا: الثقة في الله والتوكل عليه سبحانه

 

من دلائل الإيمان أن نحسن الظن بالله، وأن نثق بوعده لنا أنه ينصر من ينصره، وأنه لن يخذل أبدًا من يدافع عن دينه ويريد نصره نبيه، وأن لا تهتز هذه الثقة أبدًا مهما كانت حدة الهجوم، ومهما كان حجم الصعوبات، فهذه الدعوة هي دعوة الله العلي القدير، وما نحن إلا أسباب تتحرك على الأرض بأمره ووفق مشيئته وتنفيذًا لأوامره.

 

ومن أسباب النجاح أن نتوكل على الله، فنبذل قصارى جهدنا ثم نسأل الله أن يسدد خطانا وأن يهدينا السبيل وأن يبارك عملنا ويجبر كسرنا.

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألف من غير حساب ولا عذاب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، فقال له سيدنا عكاشة بن محصن يا رسول الله أدعو الله أن أكون منهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنت منهم". فقال آخر وأنا يا رسول الله. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "سبقك بها عكاشة".

خامسًا: التمسك بالأمل

 

قامت فلسفة الإسلام على تصدير الأمل ومحاربة اليأس بشتى السبل، حتى عدَّ اليأس ناقضًا للإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: من الآية 87.

 

كما أنه ربط اليأس بالضلال، فقال تعالى: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ) (الحجر: من الآية 56).

 

وعندما يصبح التمسك بالأمل في عقيدتنا هدفًا في حد ذاته، وطاعة نتحصل بها على الثواب من الله، ستظل لدينا طاقة متجددة للعمل مهما كان حجم الصعوبات والمؤامرات. هكذا كان رسول الله، يتمسك بالأمل ويشيعه فيمن حوله، مهما كان الموقف صعبًا ومهما كانت الأزمة كبيرة.

 

هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا سنكون نحن بإذن الله، متمسكين بالأمل متفائلين إلى أبعد حد.

 

أدعو إخواني إلى أن نتذكر ما سبق من قيم، وأن نسعى لتنفيذ ما ذكر من وسائل، ولنطمئن بعدها، لأننا موقنون أن الأمر كله بيد الله.قل تعالى: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) (آل عمران: من الآية 154).
----------------------
*
ahmedsalah146@yahoo.com