الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
تقديرًا لمكانة مصر وشعبها الكريم، واستشعارًا لخطورة هذه اللحظات الفارقة في تاريخ أمتنا؛ نهيب بجميع علماء ودعاة وخطباء مصر أن يقوموا بواجبهم في الدعوة لنصرة الحق وأهله، ومواجهة المفسدين وحزبهم، وأن يجددوا سيرة سلطان العلماء العز بن عبد السلام وإخوانه الكرام، الذين هبوا لنجدة الإسلام، وحشدوا المصريين البواسل لمواجهة طوفان المغول الكاسح فكتب الله تعالى لهم النصر، وسطروا صفحة ناصعة في تاريخنا المجيد.
ونضع بين أيديهم هذه النقاط ليستعينوا بها:
أمانة الاختيار
*احترامًا لقانون منع الدعاية الانتخابية في المساجد، وحتى لا نُتَّهم بالانحياز لمرشح دون آخر، فإننا سنُذكِّر ببعض الأمور العامة، ثم نعدِّد بعض الصفات الواجب توافرها فيمن يشغل منصب الرئيس، والتي نعتقد أنها ترضي الله ورسوله، ونترك لكم حرية الاختيار.
لكن تذكر أخي المسلم أن اختيارك هو أمانة ثقيلة، ستحاسب عليها يوم القيامة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "مَنْ اِسْتَعمَلَ رَجُلاً مِنْ عِصابَةٍ وفِيهِم مَنْ هُوَ أَرْضَى للهِ مِنهُ فَقَد خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ والمُؤمِنينَ" (رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد).
وتذكر وأنت واقف وحدك أمام ورقة الانتخاب أنك ستقف وحدك أمام ربِّ العزة يوم القيامة، وسيسألك عن أمانة الاختيار، فعليك أن تعدَّ الجوابَ لتلك اللحظة التي تشيب لهولها الولدان.
المقاطعة كتمان للشهادة
* أيها الإخوة المؤمنون الحذر الحذر من الدعوات المغرضة لإبطال الصوت أو مقاطعة الانتخابات، فإنها دعوة للتخلف عن واجب وطني، حتى أن القانونَ قد فرضَ غرامةً مقدارها مائةُ جنيهٍ لمن يتقاعسُ عن أداءِ هذا الواجب، فضلاً عن أنها تضييعٌ لشهادةٍ عظيمة، قال تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: 283).
* واعلموا أن مَنْ يُمسك العصا من المنتصف في اللحظات الفارقة في حياة الأمة إما أنه ضعيف الرأي عاجز عن التمييز بين النور والظلام، أو صاحب هوى يبحث عن مصلحة شخصية، أو أنه يخجل من الإعلان عن تأييده للباطل.
ومثلُ هذه الدعوات لا تصبُّ يقينا في مصلحة الحق؛ لأن الباطل قد جيَّشَ جيوشَه وجمعَ أنصارَه، فإذا تخلف صوتٌ واحدٌ لأهل الحقِّ فإن صاحبه سيندم يوم لا ينفع الندم.
الحذر من الإشاعات الكاذبة
* قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، ولذلك يجب على كل مسلم عاقل أن يحْذَرَ من الإشاعات الكاذبة، والافتراء على الصالحين، ولا يخدعنَّكم كثرةُ الكذب، فكثير من الناس يعرفون الحقَّ لكنهم ينكرونه بل ويحاربون أهلَه.
ولقد كان نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) يُعرف بين من عايشوه بالصادق الأمين، فلما جهر بالدعوة إلى الحقِّ؛ انقلبوا عليه وآذوه، ورموه زورًا بالكذب والسحر والجنون، واتهم نفرٌ ممن كانوا يصلُّون خلفه زوجَتَه الصديقة بنت الصديق كذبًا بأبشعِ تُهمة تُرمى بها شريفة.
وقد قال النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ " (رواه ابن ماجه).
العقلاءُ ليسوا كالبَبْغَاوَات تُردِّد كلَّ ما تسمع، حتى أن بعض الناس للأسف الشديد صاروا يسبُّون أناسًا بما لو أعملوا عقولهم فيه لوجدوهم يستحقون المدحَ عليه لا الذَّم.
الوحدة والأخوة
*ما أحوج المؤمنين في هذه الأيام الفارقة إلى الاجتماع والتلاحم والتكتل في مواجهة الباطل وأهله؛ فالوحدة والتعاون على الخير من أسباب النجاح، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: 2)، أما التنازع الاختلاف فهما سبب الشقاء والضياع قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46).
*وعلينا التعلم من دروس التاريخ، فإن المسلمين لما كانوا مجتمعين هزموا ملوك الأرض كسرى وقيصر، ونشروا الخير للعالم أجمع، فلما تفرقوا صار حالهم كما نرى.
الرشوة الانتخابية
ونحذر إخواننا وأخواتنا وبخاصة الفقراء منهم من أمر قد يستصغره البعض لكنه عند الله عظيم، ألا وهو أخذ مال مقابل انتخاب شخص ما أو ما يعرف ببيع الصوت الانتخابي؛ لأن هذه رشوة قال عنها النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): " لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ " (رواه أحمد).
فاتقوا الله ولا تأكلوا حرامًا، قال النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): "كلُّ لحمٍ نبتَ من حرامٍ فالنارُ أولى به" (رواه الترمذي)
*واعلم أنهم لن يشتروا صوتك من جيوبهم، فإذا أعطوك اليوم خمسين جنيهًا أو مائة أو ألفًا فكن على يقين أنهم سينهبون منك ومن أولادك أضعافها في المستقبل القريب، ستمرض ولن يعطوك حقك في الدواء المجاني، ستشتري الغاز والسولار وبقية السلع الضرورية بأضعاف سعرها من السوق السوداء، لن تستطيع تعيين ابنك في وظيفة لأنها محجوزة لأولادهم.
*أخي الحبيب: عار عليك أن تأخذ هذا المال، عار عليك أن تبيع كرامتك، عار عليك أن تبيع ضميرك، عار عليك أن تبيع صوتك، لا تبرر لنفسك وتقول سآخذ المال ثم أعطي صوتي للآخر أو أبطله، إن مجرد مدّ يدك لهذا المال إنما يشبه أن تمد يدك لجيفة كلب ميت، فهل تقبل ذلك على نفسك، إنه أمر لا يليق بإنسان مسلم، حتى لو كان سيموت من شدة الجوع.
مواصفات الاختيار
ولكن ما هي الصفات التي ترضي الله ورسوله ونريدها فيمن نختاره لرئاسة وطننا الحبيب، دون تحديد أسماء؟!
يجب علينا جميعًا أن نختار من يتحلى بالصفات الآتية:
* مَنْ يقتدي بحبيبنا محمد ٍصلى الله عليه وسلم وأنبياءِ الله لا فرعون وأشباهه.
* مَنْ يقرأ القرآن الكريم ويعمل بما جاء فيه ويسعى لتعليمه لأبناء المسلمين لا حذفه من مناهجهم.
* مَنْ يقول كلمة الحق في وجه كل سلطان جائر، وأن يصبر على الأذى جراء ذلك، لا أن يكون من الظالمين أو أعوانهم أو مَنْ سكت عن ظلمهم.
* مَنْ يصاحب العلماء والصالحين لا من يصاحب المجرمين.
* مَنْ يتواضع ولا يسعى إلى منصب وإنما يُدفع إليه دفعًا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا (رواه البخاري)
* مَنْ يديه طاهرتان لم تتلوثا بفساد لا من اتُهم في عشرات قضايا الفساد وحال حائل دون التحقيق معه، فضلاً عن معاقبته
* مَنْ يحمل مشروعًا للخير ينوي به إعادة مصر لحضارتها ومكانتها الرائدة لا من سيعيد الصهاينة ليتحكموا فينا
* من سيمهد الطريق لتطبيق شرع الله في الأرض لا من سيحارب أولياء الله وعباده الصالحين.
* مَنْ سيرفق بالأمة وينشر الأمن والعدل والرحمة لا من سينشر الفزع والخوف ويعيد سلخانات التعذيب والطوارئ
* مَنْ سيهتم بأمن المحكومين لا الحاكم، من سيجعل الشرطة في خدمة الشعب لا النظام
* مَنْ سيعيد محاكمة المجرمين والقتلة لينالوا القصاص العادل لا من تستر عليهم وسيعفو عنهم
* مَنْ سيعيِّن الوزراء والمدراء من ذوي الأمانة أصحاب الخبرات والكفاءات لا من سيعين أمثال هامان وقارون ليسوموا أهل مصر الطيبين سوء العذاب
* مَنْ سينصف شركاءنا في الوطن ويمنع عنهم الظلم، لا من سكت على تفجير كنائسهم وبذر بذور الشقاق بينهم وبين إخوانهم
* مَنْ سيعيد سيرة عمر بن عبد العزيز الذي ملأ الأرض عدلاً فكثر الخير والمال فزوَّجوا به الشباب، ولما فاض نثروا الحب على رؤوس الجبال ليأكل منه الطير، لا من سيعيد سيرة جبار كالحجاج بن يوسف الثقفي الذي لم يتورع عن نشر الرعب وقتل العلماء الأتقياء حتى وصل به الفجور إلى قصف الكعبة بالمنجنيق.
خاتمة:
* أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات، يجب على المؤمنين جميعًا أن يقفوا وقفة رجل واحد، لينصروا الحق وأهله، فنحن نعيش في أيام لها ما بعدها، إما أن نكون أو لا نكون.
نحن نعيش لحظة فارقة في تاريخ أمتنا، لحظة انتظرناها منذ أكثر من سبعة آلاف عام، وهي أن يقوم المصريون بانتخاب أول رئيس لهم دون أن يُفرض عليهم من عدو أو صديق، فلا تضيعوا هذه الفرصة العظيمة، أو تتخلفوا عن المشاركة فيها.
* لقد أبهرتم العالم أجمع حين نزلتم بالملايين إلى الميادين، وخلعتم رأس النظام الذي أفسد البلاد وأذل العباد، وقتل وسرق وأحرق وخرَّب، فتحقق فيكم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 15).
فواصلوا ثورتكم المجيدة، واستكملوا مسيرتكم نحو الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ولا ترتدوا على أدباركم (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) (النحل: 92)، فتُشمِتوا بكم الأعداء، وتعودوا إلى العبودية والذل والمهانة والأطعمة المسرطنة والفشل الكلوي و(فيرس سي) مرة أخرى.
* أيها الشباب الطاهر، يا من كنتم طليعتنا في الثورة، أنتم أمل هذه الأمة ومستقبلها، لا تشغلوا أنفسكم بحسابات وتكتيكات وأغراض وتطلعات وصناديق سوداء والتزامات وضمانات ومتاهات الإعلام والقوى السياسية والحزبية، توحدوا كما توحدتم في الميدان، وواصلوا الليل بالنهار لإنقاذ الثورة قبل أن تضيع.
* يا أيها المصريون الأبطال.. يا خير أجناد الأرض، العرب والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ينتظرون كلمتكم، فمصر هي قلب العروبة والإسلام النابض، تذكروا أجدادكم الكرام الذين انتصروا على الصليبيين في حطين، وقهروا المغول في عين جالوت.
* لا تخجلوا من نصرة الحق ودعوة الناس لنصرته، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110).
* لا تذهب وحدك إلى لجنة الانتخابات، خذ معك زوجتك وأولادك ووالديك وأقاربك وجيرانك وزملاءك وكل من تقابله؛ لنحيا في أرضنا أحرارًا، أعزة، كرامًا، آمنين. قولوا آمين.
وأبشروا بفرج الله تعالى، فقد قال: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90).
------------
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.