عيني في عينك.. عبارة شائعة متداولة فيما بيننا، متي نقولها؟ نقولها حينما نريد التأكد من صدق الآخر أو كذبه، كأنها معيار نزن به حقائق الأمور، ونتبين من خلالها صدق الفاعل أو كذبه، ولكن من أين أتينا بهذا المعيار؟ وإلى أي مدى يكشف هذا المعيار عن الصدق والكذب في آن واحد؟ وما مدة صلاحية هذا المعيار أو الميزان الحكمي؟ أهو صالح لكل زمان ومكان، ومع كل الشخصيات.

 

سيل من التساؤلات يحاصرني للتحقق عن أشياء غريبة تحدث في ذلك الزمن تنعكس على صاحب كل رؤية مثالية، وكل صاحب مرجعية أصيلة وجميلة أخذت من الزمن الجميل وترشخت في أعماقه، فأصبحت بمثابة الناقوس الذي يدق بصخب وضوضاء وزلزلة في التفكير.

 

عندما يرى فسادًا أو نفاقًا أو خطرًا أو أفعالاً بهلوانية من أشخاص سفهاء تافهين يتلونون كالحرباء في ضمائرهم ويلوون الحقائق كالأفاعي في ليها لأجسادها ويمكرون كالثعالب في تدبيرها وإيقاعها لفرائسها في المهالك، ويحرفون الكلم عن مواضعه كتحريف الرهبان الكتب السماوية.

 

هل ينفع مع هؤلاء المعيار الذي استخدم كثيرًا وأثبت نجاحات كثيرة ألا وهو "عيني في عينك"؟ هل لو نظرنا إلى تلك الشرذمة الأفاكة من البشر التي تجيد البهتان والزور قولاً وعملاً مطبقين هذا الاختيار الذي ثبت جدارته سنين عديدة وأزمنة مديدة.. هل سينجح؟

 

لا أظن؛ لأن هذا المعيار يطبق مع ذوي الحياء وذوي الضمائر الحية الذين لهم أصول وأخلاقيات يرجعون إليها، فلو قلت لهم "عيني في عينك" فلن يستطيعوا أن يصمدوا بأعينهم أمام أصحاب الحقوق طويلاً ولن يمكثوا، فسرعان ما تهتز أعينهم حياءً ورهبة وترتجف قلوبهم خوفًا ويشعرون بغليان في ضمائرهم ورعشة في أجسادهم خوفًا من انتقام المولى عز وجل منهم، ويشعرون بضآلة عندما ينظرون إلى العيون الصامدة التي لن ترمش، والتي أذنبوا في حقها أو حق غيرها، بل يخافون لوةقيل لهم (عيني في عينك) لأنهم يعلمون جيدًا أن أعين أصحاب الحقوق صامدة، وقديمًا قالوا "صاحب الحق عينه جامدة".

 

ولكن ماذا عن الذين يسلبون حقوق الغير؟ ويقفون أمام الجميع بأعين جامدة لا يرتعش لها رمش ولايغمض لها جفن؟ هل يطبق عليهم هذا المثل؟ أم أنهم أصحاب أعين منكسرة بالفعل ويتوارون خزيًا؟!!

 

لا- وربي- إنهم حينما ينظرون بأعين جامدة غير مكترثين بأحد غير نادمين وفي قمة إجرامهم، إنهم ينظرون نظرة لصوصية مختلفة، ولكن لا يستطيعون أن يصمدوا بأعينهم كثيرًا أمام نظرة أصحاب الحقوق، والدليل على ذلك الفرعون الذي عاث في الأرض فسادًا، واستحل أموال الشعب بأكمله، وكنز في بطنه قوت أمة، ألا تراه وهو يغمض عينيه أو يرتدي نظارة سوداء، وفي الوقت نفسه يختلس نظرة من وراء القضبان ظنًّا منه أنه لا يُرى وأن نجليه يخبئونه، وإن كان الوهن والهوان على حد تعبير "هيكل" قد أصاب الرجل بعد تاريخ من الكبرياء والغطرسة، فقد يكون على نحو من التحليل النفسي معذورًا.

 

ولكن الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى والخلل النفسي والمهني والوطني قد يكون هو الحال بالنسبة لفريق صُور له الظلم حقًّا والظلام نورًا أو البهتان نهجًا وصدقًا، فانبرى- لا أدري تحت أي مسمى أو تحت أي عنوان- دفاعًا ليس عن الحق كما اعتادت الإنسانية وإنما عن الباطل ولا غرابة في ذلك؛ حيث إنه يُلبس الألاعيب والأكذوبات ثوب الحقيقة ويصور الوهم ويُسوقه سلعة يعتقد أن لها قيمة والغرب من ذلك، بل والأفجع أن يدافع عن قائده في الظلم وفي الوهم وفي الخيانة، بل أن يحاول النيل من دماء بريئة وثورة شريفة وتاريخ حاضر في الدنيا، وأرواح سكنت عند الرفيق الأعلى جنات لتشهد عليه في الآخرة.

 

وما من مثل شعبي في الخسة والندالة إلا وانطبق على هذا النهج من شياطين الإنس، إذ يصدق على سبيل المثل لا الحصر "اللي اختشوا ماتوا" وقول جحا وهو يكرس مفهوم الهيافة لدى ابنه، قائلاً له: "تعالى في الهايفة واتصدر"، فإذا كان مفهومًا أن يدافع عن المخلوع فريق دافع من قبل عن الجاسوس الصهيوني  وحكمت المحكمة ضد هذا الجاسوس غير عابئة بدفاع ذلك الفريق.

 

فيأتي المخلوع ويوقف الحكم ويفرج عن الجاسوس ويسلمه مرفوع الرأس (كسرت رؤوسهما) على بلده التي اعتبرته كنزًا إستراتيجيًّا وحزنت عليه يوم خلعه كما تحزن المرأة المحبة لزوجها يوم وفاته، في هذا السياق تتضح لنا علاقات منطقية بين المخلوع ودفاعه امتدت عبر زمن لتؤكد التلاقي بينهما حول معيار واحد ورؤية واحدة ورسالة واحدة، وما يلزم هذه الرسالة من أداء وسلوك وأفعال، لكن وما أعظم ما بعد كلمة لكن.

 

أي منطق هذا وأي صلابة تلك؟ّ وأي بجاحة عين يتسلح بها هذا الفريق بعد خلع حاميهم وثورة شعبهم وحلم الوطنية؟! هذا ما تعجز التفسيرات عنه وربما تجعل البواب مشرعة على جملة من التساؤلات التي تبحث عن إجابة منها على سبيل المثال لا الحصر، ما الدوافع النفسية أو الشخصية والوطنية والسياسية؟ والاستحقاقات التي سيحصل عليها إن نجح؟ وما الضمانات التي تتوافر إن فشل؟ وأي عدة تلم التي تزود بها محليًّا أو إقليميًّا أو دوليًّا؟

 

وهل يمكن أن تكون توافرت له العدة والضمانات فتكسر عينه عين أمة بأكملها!!! فيحيي المثل "عيني في عينك" من الموروث الثقافي لهذه الأمة، ونعيد النظر فيما تكرس لدينا من ثقافتنا ومن الفلكلور الشعبي الذي نادرًا ما يختلف مع مفردات الحياة اليومية ومشاهدات الواقع المتتالية.