من طرائف الرشاوى الانتخابية: أحد المواطنين المساكين تلقَّى مبلغًا كبيرًا من المال للتصويت لأحد المرشحين، فعاتبه أحد الإخوان وقال له: يا فلان كيف قبلت أن تعطي صوتك لأحد الذين قهروا العباد ونهبوا ثروات البلاد، وأنت تعلم يقينًا مدى فساده والمصير السيئ الذي ينتظر الأمة إذا حدث- لا قدر الله- أن نجح؟ قال: يا سيدي أنا لم أصوت له لوحدي بل أنا وزوجتي وأولادي وبعض أفراد عائلتي لأنني أخذت مبلغًا كبيرًا.قال له الأخ: كان بإمكانك أن تأخذ المبلغ، وفي نفس الوقت تعطي صوتك خلف الستارة لمن تعلم أنه أولى به، لا للمفسد الذي دفع الرشاوى، فأجاب المواطن البسيط إجابةً في غاية العجب حين قال للأخ: هل تريدني أن آخذ المال من شخص وأعطي الصوت لشخص آخر فأكون قد أكلت أنا وأولادي الحرام؟!
إنها إجابة تكشف عن زيف كبير تتم ممارسته في عقول البسطاء من خلال استغلال فقرهم وحاجتهم وإفساد دينهم ووعيهم، لقد أوهموا الرجل المسكين أن الرشوة رزق ساقه الله إليه، وأن بيع الصوت حلال لا حرمة فيه، وأن الوعد الذي قدمه تحت ضغط الفقر والحاجة يجب الوفاء به، بل ويجب عليه الاجتهاد في جمع الأصوات لصالح هذا الراشي حتى يحلل ما أخذه من الرشوة!! فهل مرت الأمة بأعجب من هذا التزييف لوعي البسطاء وأفظع من هذا الاستغلال لحاجاتهم؟!
إن تصحيح الوعي لدى قطاع كبير من أبناء أمتنا واجب على كل المثقفين والمفكرين والحريصين على مستقبل هذا الوطن، وحريٌّ ببرامج الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب التي تبحث عن الإثارة وترويج الشائعات أن تهتم بهذه القضية، وأن تبث مراسليها في قلب المجتمع لتعرف حجم هذه الظاهرة ومبررات انتشارها، وأن تناقش هذه القضية وآثارها الدينية والنفسية والاجتماعية على الأفراد وعلى مستقبل الأمة، وبيان السبل العملية لمواجهتها، من خلال آراء المفكرين من علماء الدين والسياسة والاجتماع، فتقدم بذلك خدمة جليلة للوطن.
وهنا أقول: إن تلقِّي الرشوة سواء كانت مبالغ مالية أو أشياء عينية أو مواد تموينية أو حتى وعودًا بشيء من هذا مقابل الصوت الانتخابي، كل هذا حرام طبقًا لفتوى العلماء، ومنهم فضيلة مفتي الجمهورية وفضيلة الدكتور القرضاوي وغيرهما، وكل من شارك في جريمة الرشوة فهو ملعون، سواء الذي قدمها أو الذي أخذها أو الذي توسط في تقديمها فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش" (الرائش هو الوسيط)، وكذلك إعطاء الصوت في الانتخابات لمن لا يستحقه من المفسدين الذين عاثوا في الأرض فسادًا وكانوا من أهم أركان النظام المخلوع هو أيضًا جريمة، فإذا تم التلاعب بالمواطن البسيط المسكين حتى يأخذ الرشوة ويصوت لصالح المفسدين فقد تم إيقاعه في جريمتين لا في جريمة واحدة.
وعلى المواطن أن يعي تمامًا أن الذي يدفع له هذه الرشوة قد ملأ بطنه وجيبه وحساباته البنكية من الأموال التي نهبها في ظل النظام الساقط، وأنه يشتري الصوت ليتمكن من العودة إلى نهب ثروات البلاد مرةً أخرى عبر إرادة مزورة للأمة، وأن المواطن الذي يقبل هذا لا يبيع صوته فقط، وإنما يبيع مستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده، وهذه خيانة بل هي من أعظم الخيانات ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن كان هذا المواطن مسكينًا وفي مسيس الحاجة إلى هذا المال فعلى الأقل لا يرتكب الجريمتين معًا، فليأخذ هذا المال ولكن يعطي صوته لمن يكون صالحًا وصاحب دين وأمانه ويخدم الوطن ولا يسرقه.
يقول بعض البسطاء أيضًا: إن الذي يعطيني هذه الرشوة يطلب مني أن أحلف له وأنا مضطر لأن أحلف وفي حاجة لهذا المال الذي هو أصلاً مال الشعب المسكين الذي نهبوه منا عبر سنوات طويلة، فماذا أفعل في هذا اليمين؟ وأقول لهؤلاء: إن هذا اليمين الذي حلفته يجب عليك ألا تلتزم به، بل أعط صوتك لمن هو أصلح ثم ادفع جزءًا من هذا المال لإطعام عشرة مساكين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه"، وأنت إذا حققت ما حلفت عليه وأعطيت صوتك للمفسد فقد ارتكبت عدة خطايا وهي الحلف على معصية وقبول الرشوة وارتكاب معصية التصويت للمفسدين.
يقول البعض: إنني تحت الإكراه المادي أو الإغراء أو التخويف أو الحرج أمام بعض كبار عائلتي أو رؤسائي في العمل اضطر للوعد وربما القسم على أنني سوف أنتخب هذا المرشح الفاسد، فماذا أفعل؟ وأقول: لا يصح الوفاء بوعد فيه معصية لله مطلقًا، وإن استطعت أن تداري ببعض الكلمات التي ترفع عنك الحرج فلا بأس.
ومن ألطف ما سمعته عن بعض الأذكياء الذي اضطر لإعطاء وعود لعدد من المرشحين: إنه أشَّر في الورقة على المرشح الإسلامي الذي يعلم أنه الأولى والأجدر، ثم أشار بمؤخرة القلم أمام كل من أعطاهم وعودًا، وحين حلَّفوه حلف له أنه علم على مرشحيهم، وبذلك صمن سلامة صوته للمرشح الإسلامي ولم يكذب على الذين أحرجوه من مندوبي المرشحين الآخرين، وهذا يسمَّى في الشرع (معاريض) وهي باب من أبواب الفرار من الكذب والإحراج.
يقول البعض: إن الذي قدم لي الرشوة أعطاني ورقة جاهزة عليها علامة لهذا المرشح الفاسد وكل المطلوب مني أن أضع هذه الورقة في الصندوق وأسلمه ورقة التصويت التي آخذها من القاضي فارغة حتى يضمن أن الصوت قد وضع بالفعل لصالح المرشح المفسد فماذا أفعل؟ وأقول: إذا كنت واقعًا تحت ضغط وإكراه وإحراج لكي ترتكب هذه الجريمة فلا أقل من أن تدخل خلف الستارة فتبطل هذا الصوت من خلال وضع علامة أخرى أمام المرشح الآخر، لعل ذلك يخفف بعض الإثم الذي ارتكبته.
وأخيرًا.. فإنني أخاطب الدين والمروءة والشهامة والوطنية في نفوس كل المصريين، وبخاصة البسطاء الذين قهرهم رموز النظام السابق وعصابته وأذلوهم ونشروا فيهم المرض والفقر والجوع: أن يكونوا أكثر وعيًا ووطنيةً وحبًّا لوطنهم ولمستقبل أبنائهم وأحفادهم، وأن يكونوا أكثر إخلاصًا وشجاعةً للتحرر من هذا الماضي الكئيب، وأن يبلغوا عن كل من يشارك في تقديم الرشاوى، وأن يجتهدوا في توثيق هذه الجريمة بالتصوير والتسجيل الصوتي وتقديم ذلك كله للجهات القضائية واللجنة العليا للانتخابات ومنظمات المجتمع المدني المراقبة لسير العملية الانتخابية؛ حتى يمكن القضاء على هذه الجريمة النكراء في مصر الحرة القوية الناهضة بإذن الله.
وفي ذات الوقت أقول لكل المصريين المحبين لوطنهم: إن مصر لم تكن في يوم من الأيام في تاريخها الطويل أقرب إلى إقامة دولة الحق والعدل والحريات منها في هذه الأيام، وإنها فرصة تاريخية نادرة لهذا الشعب العظيم ليثبت لشعوب الدنيا مرةً أخرى أنه جدير بالانتساب لأم الدنيا مصر، وأنه قد عرف طريقه للأمام، ولن يبيع ثورته لمن أرادوا إطفاءها من قبل، ولمن قادوا ضدها موقعة الخيل والبغال والحمير ليجهضوها، وأنه يجتمع بكل أطيافه وطوائفه للتصويت يوم 16/6 بإذن الله تعالى لمرشح الثورة والوطن وقائد مشروع النهضة الأستاذ الدكتور محمد مرسي.
همسة في أذن أخي الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح:
إن اللحظة التي تمر بها مصر الآن هي الأقرب لتحقيق الحلم الذي طالما حلمت به ودعوتنا جميعًا للحلم به، وأنفقت في سبيل ذلك مع إخوانك الأعمار والجهود للوصول إليه، ولهذا فعيون الجميع متطلعة إليك لترى موقفًا قويًّا واضحًا لا يحتمل اللبس أو التردد أو التأخر في مساندة مشروع النهضة وتوحيد الصف الوطني، فبادر ولا تجعل محبيك وتلاميذك ينتظرون، فلم يعد في الوقت متسع، وأسأل الله لنا ولك التوفيق.