أيها الإخوان ... أيها الثوار... أيتها القوى الوطنية والثورية... أيها الشعب المصري

 

الظرف الحالي يستوجب من الجميع التكاتف والتوحد في وجه أعداء الثورة، وتغليب المصلحة العامة على مصالح الأفراد الخاصة، فمن لم يوفق في المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة وهو محسوب على التيار الثوري، عليه ودون تفكير- لو كان صادقًا في توجهه الثوري- أن ينحاز إلى صف الثائر (محمد مرسي) ضد رمز النظام البائد (أحمد شفيق)، فليس من المنطق أن يتساوى من قتل مع من سُجن، ومن أسقطه الشعب في جمعة شهيرة أطلق عليها "جمعة إسقاط شفيق" حين نادت باسمه حناجر المتظاهرين في ميادين مصر حتى بلغت أصواتهم العالم أجمع: أحمد شفيق ... باطل... باطل... باطل

 

أيها الإخوان المسلمون... أيتها الحركات الإسلامية بكل أطيافها :

احتياجات المرحلة الآن مجالاتها متعددة، وأنشطتها متشعبة، وأعمالها أكثر من أن يدعي فرد بأنه قادر على القيام بها بمفرده ودون مساعدة إخوانه، مهما كانت قدراته، وأيًّا كانت إمكاناته.

 

فمن السذاجة والغرور أن يعتقد شخص أنه قادر على القيام بكل مسئوليات الدعوة وأعمالها وتكاليفها بمفرده، مغرور لأنه ظن أنه أقوى من الرسل عزمًا وأشد منهم بأسًا، لأن الأنبياء أنفسهم نُصروا بمن أيدوهم وناصروهم.

 

فهذا نبي الله موسى عليه السلام يطلب المساعدة والعون "وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي 29 هَارُونَ أَخِي 30 اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي 31 وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي 32" (طه).

 

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب المعاونة "من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي"(1)

 

من هنا نجد أن الإسلام قد حرص على التعاون بين الناس ودعا إليه ، ورغب فيه ، وبين فضله ومنزلته ، يقول الله تعالى " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (المائدة:2)

 

ويقول تعالى في الحديث القدسي: "حقت محبتي للمتحابين فيّ وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ وحقت محبتي للمتزاورين فيّ وحقت محبتي للمتباذلين فيّ"(2)

 

وإعانة الآخرين ومساعدتهم كانت من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرت ذلك السيدة خديجة رضي الله عنها فقالت: "كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"(3).

 

بل إن الله تعالى جعل التعاون من الصدقات والأعمال التي يفعلها العبد فيزكي بها يومه ويتصدق بها على نفسه، يقول صلى الله عليه وسلم: "على كل مسلم صدقة ، قيل أرأيت إن لم يجد قال يعتمل بيده فينفع نفسه ويتصدق ، قيل أرأيت إن لم يستطع قال يعين ذا الحاجة الملهوف"(4).

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى من الناس عليه صدقة؛ كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة"(5)

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: "رَفْعُكَ الْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ وَهِدَايَتُكَ الطَّرِيقَ صَدَقَةٌ وَعَوْنُكَ الضَّعِيفَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ صَدَقَةٌ"(6)

 

والتعاون من ضروريات العمل الجماعي لأنه يعالج مشكلة الملكات المهدرة، ويوظف الطاقات المعطلة فيقضي على حب الذات، وتكبير الأنا وإنكار الآخر، لأنه بالتعاون تتمايز القدرات وتبرز المواهب المختلفة فيستفاد منها في إنجاز العمل وتحقيق المستهدف.

 

والتعاون يُعالج النقص والمحدودية والفروق الفردية بين الأفراد فالكمال لله وحده، وما من إنسان إلا وهو كُفء في مجال ومحتاج لغيره في آخر، والتعاون يجبره ذا الضعف ويسد ذاك التقصير.

 

يُروى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أُرِيدُ الْغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِى مَا أَتَجَهَّزُ قَالَ: "ائْتِ فُلاَنًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ"، فَأَتَاهُ: فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ أَعْطِنِى الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ، قَالَ يَا فُلاَنَةُ أَعْطِيهِ الَّذِى تَجَهَّزْتُ بِهِ وَلاَ تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا فَوَاللَّهِ لاَ تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ"(7).

 

 والتعاون بين صفوف العاملين في الحركة الإسلامية إذا كان صحيحًا وسليمًا ومصحوبًا بنية صادقة فإن من شأنه أن يشيع روح المحبة والألفة بينهم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(8).

 

التعاون في العمل الجماعي دليل إخلاص وصدق فصاحب هذا الخلق قد تجرد لله، فحرصه على إنجاز العمل وإتمامه في صورة حسنة قد جعله يبادر بتقديم النصح وربما المساعدة المادية بالجهد والوقت إذا لزم الأمر ذلك؛ "المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه"(9).

 

ويكف عليه ضيعته: أي يمنع ضياعه وهلاكه.

 

ويحوطه من ورائه: أي يذب عنه ويوفر عليه مصالحه.

 

وعلى الأخ في طريق الدعوة أن يعلم أن مد يد العون لأخيه فيما أسند إليه من مهام ليس تفضلاً منه على أخيه، فذلك منصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى"(المائدة:2)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم"(10).

 

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والنصوص التي أثبتت حق المسلم على إخوانه في معونتهم ومساعدتهم متعددة حتى أضحى مساعدة المسلم لأخيه المسلم من المعلوم من الدين بالضرورة.

 

بل جاءت الأحاديث لتحذر المؤمن من منع يد العون عن المحتاج ، أو حبس الفضل عن المسلمين، يقول صلى الله عليه وسلم ذاكرًا أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا ينظر إليهم "... ورجل منع فضل مائه فيقول الله اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"(11)

 

ولهذا فإن من وجد من يُعينه ويُساعده على القيام بواجباته ومسئولياته فإن ذلك كله من رحمة الله به، يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه"(12)

 

والتعاون يُنمي روح الجماعية ويقضي على الأثرة والفردية وتجعل فريق العمل أكثر صلابة، وأشد قوة، وأقرب إلى تحقيق مستهدفاته وتنفيذ خططه، لأن الفرد ضعيف بنفسه قوي بإخوانه "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه" (13)

 

ولأن الأعداء يعملون في محاربتهم للإسلام والمسلمين بشكل جماعي، ومتعاونون فيما بينهم في تنفيذ مخططاتهم، وأنهم يتقاسمون الأدوار لإفساد تحركات الإصلاحيين والدعاة إلى الله، فإن هذا يوجب على العاملين في الحقل الإسلامي أن يتعاونوا فيما بينهم لصد هذا العدوان، والتصدي لهذا الفساد.

 

وصاحب القلب السليم الخالي من الحقد والحسد والأنانية هو الذي يبادر ويسارع لمعاونة إخوانه ومساعدتهم، أما صاحب القلب السقيم الذي لا يحب أن يأتي الخير على يد أحد غيره، ولا تنجز مهمة إلا تحت إشرافه، ولا يعاون إلا إذا كان في موضع المسئولية فهو صاحب شهوة نسأل الله له الهداية.

 

والحقيقة التي لا ينكرها أحد أن العمل الواحد من أعمال الدعوة يحتاج إلى مجموعة عمل لإنفاذه، ومهما حاول شخص مهما كانت قدراته وإمكاناته أن ينجزه وحده، فسوف تشوبه شائبة، حتى لو أتمه وأحسنه وجمَله فإنه سيكون منقوصًا لأنه لم يوظف قدرات من حوله وينميها.

 

فالمحاضرة البسيطة التي تؤدى في مسجد ليست قائمة فقط على شخص المحاضر، وإنما يسبقها ترتيب وإعداد وتخطيط، فقبل المحاضرة نحن في حاجة إلى اختيار المحاضر المناسب، وتحديد الموضوع الذي نحتاجه لمعالجة شيء ما، من سيأتي بالمحاضر؟ ومن سيوصله؟، من سيتولى الدعاية للمحاضرة؟  إلخ..

 

إنه لمن المؤسف أن يمتنع البعض عن القيام بأعمال لا تضرهم، وتعود بالنفع على آخرين، لأنهم جبلوا على فعل الأشياء التي تصب في مصالحهم الشخصية وفي حدود ذواتهم ودون غيرهم، مع أن هذا ليس من شيم المسلم فضلاً عن الداعية الملتزم، ولهذا عنف عمر بن الخطاب رضي الله عنه محمد بن مسلمة لمَا منع الضحاك بن خليفة من حفر ساقية ماء تصل إلى أرضه مارة بأرض محمد بن مسلمة، فقال عمر: " لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخرًا، وهو لا يضرك، والله ليمرن به ولو على بطنك"(14)

 

التعاون السلبي:

نعم لا تتعجب أخي القارئ فهناك نوع من المساعدة السلبية التي يقع فيها البعض دون قصد، كأن يبذل الأخ من وقته وجهده في معاونة أخ له حتى يُنجز له المهمة كاملة، ثم نجده لم يقم بمهامه الواجب عليه إنجازها، أو يؤخرها عن موعدها.

 

حتى ولو أدى مسئوليته كاملة فإن ذلك يُعتبر شيئًا سلبيًّا لأنه ساعد أخاه على تراخيه ولم يعنه حتى يعتمد على نفسه.

 

وهناك نوع آخر من المعاونة السلبية التي نجدها عند البعض كأن يفرض الأخ نفسه على الآخر ويتدخل في سير عمله وربما وجّه وأمر ونهى غير مكترث بمسئول العمل نفسه، وهذا النوع من فرض الذات على الآخرين ربما يولد المشاحنات والمضايقات مما يؤثر على العمل.

 

وهناك نوع ثالث من المساعدة التي ربما لا يتضايق منها الطرف الآخر ولكنها غير صحيحة كأن يتصرف أحد في عمل ليس تابعًا له، دون إذن المسئول عنه أو دون علمه، مما قد يسبب بعض الإرباك في تنفيذ العمل، وقد يكون له تأثيرًا سلبيًّا على كيفية تنفيذ العمل.

 

ومن الأشياء الغير مستحسنة فيما يخص التعاون بين فريق العمل الدعوي أن يستنكف أحد عن قبول المساعدة من الآخرين عند حدوث خلل ما أو تقصير في المهام المسندة إليه، وأن يرفض توجيهاتهم معتبرًا ذلك تدخلاً في مهامه وانتقاصًا من قدره، أو خشيته من اهتزاز صورته أمام أقرانه وظهوره بشكل لا يليق بمكانته التي رسمها لنفسه أمامهم، وهو أمر يقدح في نية صاحبه وعليه أن يراجع نفسه.

 

تصور خاطئ:

ومن التصورات الخاطئة أن البعض يعتقدون أنه ليس لديهم ما يُقدمونه من عون أو مساعدة للآخرين، وقد يتهمون أنفسهم بأنهم أقل من ذلك، وفي الحقيقة أن هذا ليس بصحيح فالتعاون بين الناس لا يقتصر على الدعم المادي أو الحركي، فبالفعل قد يعجز البعض عن تقديم مثل هذا النوع من الدعم لقصر ذات اليد أو العجز عن الحركة، ولكنهم لن يعجزوا أبدًا أن يُقدموا النصح والتوجيه لهم، ولربما نصيحة تُصحح مسار عمل، أو تُقدم دعمًا معنويًّا للقائمين عليه فيزيد ذلك من همتهم، ويُقوي من عزيمتهم فتُنجز المهام، وتُقضى الحوائج.

 

والله تعالى عندما رفع الحرج عن غير القادرين على الجهاد في سبيل الله تعالى من الضعفاء والمرضى اشترط عليهم النصح لله ورسوله كدليل عملي على صدق رغبتهم في الجهاد: "لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91)" (التوبة).

 

من صور التعاون :

من صور التعاون داخل فريق العمل الدعوي المساهمة في إنجاز المهام الدعوية المختلفة، ونقصد بذلك أن يتعمق مفهوم روح الفريق الواحد بين جميع الأفراد مسئولين وغير مسئولين، أي أن المسئولية تكون تضامنية الكل فيها مسئول عن جميع المهام، ونحن بذلك لا نقصد الفوضى أو الارتجالية بل بالعكس نحن نريد الايجابية والتفاعلية.

 

وحتى تعي أخي القارئ ما أعنيه فسوف أضرب لك مثالاً على ذلك: من المعروف أن رقعة العمل الدعوي قد اتسعت كمًّا وكيفًا، فاستدعى ذلك تقسيم العمل وهيكلته فنُدب لكل رقعة مجموعة من الأفراد لإدارة العمل الدعوي فيه، هذه الرقعة قسمت إلى وحدات فرعية ونُدب لكل وحدة فرعية مجموعة أخرى للقيام بمهام الدعوة فيها، هذه المجموعة قد قسموا أنفسهم للقيام بأنشطة الدعوة المختلفة على لجان متعددة فمنها على سبيل المثال: 

 

 لجنة العمل التربوي.    لجنة العمل الطلابي.      لجنة العمل المهني والنقابي.  

لجنة العمل النسائي.      لجنة العمل السياسي.     لجنة نشر الدعوة.     لجنة البر والخدمات.

 

هذه اللجان المختلفة لا بد أن تعمل بروح الفريق الواحد، صحيح أن على رأس كل لجنة شخص مكلف بإدارتها، لكن هذا لا يعني أبدًا أن تتحرك كل لجنة وكأنها وحدة مستقلة.

 

 فليس صحيحًا ألا يهتم مسئول العمل التربوي بإنجاح العمل في قسم العمل المهني والنقابي، أو أن مسئول العمل الطلابي لا يعنيه ما يجري في لجنة العمل النسائي، بل على جميع المسئولين أن يعلموا أنهم متضامنون في كل ما يخص هذه الوحدة من أعمال دعوية، وعليه فإن من رأى قصورًا ما في قسم لا يتبعه فعليه أن يقدم النصح أولاً لمسئول ذلك القسم، وأن يعرض عليه خدماته فإن كان بإمكانه حلاً لهذا القصور فعليه بالمبادرة وتقديم هذا المقترح.

 

ومن صور التعاون بين العاملين في الحقل الدعوي: التعاون في أداء العبادات ومساعدة بعضهم البعض في تنفيذ البرامج التربوية، وبخاصة أصحاب العزائم الضعيفة منهم والهمم الخائرة بينهم، عن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا فَقَالَ: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ فَمَنْ يُوقِظُنَا لِلصَّلَاةِ" فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ"(15).

 

وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا أحرص الناس على الطاعة، فكان مما يُروى عن تعاونهم واجتهادهم في العبادة ما جاء في الحديث عندما انتدب النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين لحراستهم فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ:أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي.."(16).

 

ومن صور التعاون في الحقل الدعوي ألا تُحرم النساء من المساعدة وتقديم العون والمساهمة في إنجاز المهام الدعوية، فهذا أمر ليس حكرًا على الرجال دون النساء، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَقُلْنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ مَعَكَ إِلَى وَجْهِكَ هَذَا وَهُوَ يَسِيرُ إِلَى خَيْبَرَ فَنُدَاوِيَ الْجَرْحَى وَنُعِينَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا، فَقَالَ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ قَالَتْ فَخَرَجْنَا مَعَهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةً..."(17).

 

ومن صور التعاون في الحقل الدعوي أن يتعاون العاملون فيه على التواصي بالحق والثبات عليه، وهذا يحفظ الصف من التسرب والتفلت، وهذا يوجب على الجميع أن يكونوا أكثر يقظة تجاه بعضهم البعض فالمؤمن يعيش بارتباطه بإخوانه الصالحين في حصانة وحفظ ، فكلما نسي ذكروه وكلما ذكر أعانوه، وهذا مقتضى الأخوة الصادقة " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)" (الكهف).

 

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى " وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)" (العصر): "والتواصي بالحق ضرورة. فالنهوض بالحق عسير. والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس، ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة. وطغيان الطغاة، وظلم الظلمة، وجور الجائرين. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية، والأخوة في العبء والأمانة. فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية، إذ تتفاعل معًا فتتضاعف. تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله. وهذا الدين وهو الحق لا يقوم إلا في حراسة جماعة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال.

 

والتواصي بالصبر كذلك ضرورة. فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل، من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة. ولا بد من الصبر. لا بد من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير. والصبر على الأذى والمشقة. والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر. والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم، وبعد النهاية!".

 

وأخيرًا فإن الأخ المتعاون يحوز على جوائز عظيمة أحدها أن ينال معونة الله له في أموره كلها، يقول صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"(18).

 

ويقول أيضًا: " ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته"(19).

 

ومن أعظم تلك الجوائز النجاة من كرب يوم القيامة، يقول صلى الله عليه وسلم: "ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة"(20).

 

ومن تلك الجوائز أن التعاون سبب مباشر من أسباب دخول الجنة، فهذا رجل يحكي عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل الجنة في غصن أزاله من طريق المارة من المسلمين حتى لا يؤذيهم، فكيف بمن تعاون مع إخوانه من أجل محاربة الفساد الذي يستهدف إيذاء المسلمين، يقول صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس"(21).

 

وفي رواية: "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة"(22).

 

إن الأصل في المسلم أنه يعرض خدماته على الناس ويسعى إلى تقديمها لمن يحتاجها، والنصيحة لمن يجهلها، والمنفعة لمن هو أحق بها، بمبادرة وحرص منه، فما بالنا في العاملين في مجال الدعوة إلى الله، ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وهو قدوتنا وأسوتنا، فكان يسعى إلى العباس ليقول له: "يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك"(23)

 

أيها الإخوان:

أروا الله من أنفسكم خيرًا... ابذلوا وسعكم... أفرغوا طاقتكم...

أدوا ما عليكم... لا تنظروا للمثبطين... لا تلتفتوا للمقعدين الذي إن خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالاً...

اطلبوا العون من الله... كونوا مع الله... وتمسكوا بحبل الله

والله معكم ولن يتركم أعمالكم ... وترقبوا النصر بإذن الله.

والله أكبر ولله الحمد

-------------

* الهوامش:

1- السلسلة الصحيحة، ح رقم 63

2- صحيح الجامع ح رقم 4321

3- متفق عليه

4- صحيح، السلسلة الصحيحة ح رقم 573

5- صحيح السلسلة الصحيحة ح رقم 1025

6- رواه الإمام أحمد في مسنده

7- رواه مسلم

8- رواه مسلم

9- رواه أبو داود والبخاري

10- صحيح الجامع ح رقم 6666

11- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 3066

12- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 02 3

13- متفق عليه

14- موطأ الإمام مالك، كتاب الأقضية باب 26 – ح 33

15- رواه الإمام أحمد في مسنده

16- رواه الإمام أحمد في مسنده

17- رواه الإمام أحمد في مسنده

18- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 6577

19- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 6707

20- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 6707

21- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 5134

22- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 6863

23- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 7937