الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله- عليه الصلاة والسلام- أما بعد:

فقد انتهت الجولة الأولى من سباق الرئاسة بنتيجة مفاجئة غير مرضية للكثيرين منا، ربح فيها من ربح وخسر فيها من خسر، فاز فيها من فاز وتراجع فيها من تراجع، فمن الرابح ومن الخاسر؟ من المنتصر ومن المنهزم؟ ولا أعني بذلك المرشحين ولكن أعني الجماهير الداعمة والداعية والمؤيدة التي بحت أصواتها بالهتاف والتأييد لمرشحٍ ما.

 

وفي البداية أقول للجميع إن تلك النتيجة غير المرضية والمفاجئة للجميع إنما هي قدر الله الذي لا يقع في ملكه إلا ما أراد، والذي لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وما دام الأمر كذلك فلا بد من الرضا بقدر الله لأنه ركن من أركان الإيمان الستة "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره من الله تعالى"، وهذا اختيار الله "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة"، وله حكمة فيما قدر وفيما اختار ولنكن على يقين بأن قدر الله لا يأتي إلا بالخير فثقوا في اختيار ربكم وترقبوا الخير قريبًا إن شاء الله.

 

أعود للإجابة على السؤال "من الرابح ومن الخاسر؟؟" وسأجيب بمقاييس إيمانية وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، فليس الرابح من فاز مرشحه وتحققت أمنيته بل هو من كان طوال فترة الدعاية يعمل لإعلاء كلمة الله وتنافس مع الآخرين تنافسًا شريفًا، فلم يكذب ولم يخن الأمانة ولم يجرح الآخرين ولم يغتب ولم ينم فهو يعلم علم اليقين أن الله تعالى حاشاه أن يغيب عن المشهد، فهو يسمع كلامنا ويرى مكاننا ولا يخفى عليه شيء من أمرنا وملائكته تسطر كل صغيرة وكبيرة "بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)" (الزخرف)، "مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)" (ق)، " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)" (الانفطار)، فأمسك عن الشر لسانه فكانت حملته ودعايته وهتافاته طاعة لله رب العالمين وذكرًا وتذكيرًا بهدي سيد المرسلين، فذاك هو الرابح على كل حال.

 

 وأما الخاسر الحقيقي هو من تنافس تنافسًا قبيحًا واستخدم الوسائل الرخيصة من كذب وخيانة للأمانة وقدحٍ وتجريحٍ للآخرين واتهام بغير دليل لكل من خالفه الرأي والوجهة مستعملاً القاعدة الآثمة "الغاية تبرر الوسيلة" فلم يكن له هدف إلا أن يصل مرشحه إلى الكرسي بأي وسيلة كانت، فنسي هؤلاء الخاسرون الكذابون أن الله يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)" (التوبة)، ويقول: "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36)" (الإسراء)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلي الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا"، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أيكون المؤمن جبانًا؟ قال نعم، أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم، أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: لا".

 

فكم كان في فترة الدعاية السابقة والتي امتدت عبر أسابيع من كذب صريح غفل أصحابه أنهم مسئولون عن كل كذبة كذبوها ويشتد إثمهم ويكبر جرمهم بقدر ما بلغته تلك الكذبة وويل لهم من عذاب أليم يوم يرجعون إلى ربهم فيحاسبهم على ما قدموا.

 

الخاسر كذلك من خان الأمانة فكتم الشهادة بسلبيته وقعوده في بيته وعدم أدائه لدوره المنوط به، كذلك الذي خرج فخان ضميره وخان ربه وخان رسوله وخان المؤمنين فأدلى بصوته لغير مستحقه ولمن لم يستوف شروط الولاية العامة، هذا الصنف من الناس الذين قال لهم ربهم: "وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ" (البقرة:283)، وقال: "وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ" (الطلاق:2)، وكذلك الذي أعطى صوته لغير مستحقه فقد حذره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه الحاكم "من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله من منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".

 

خسر كذلك من أساء الظن بالمسلمين فاتهمهم في نواياهم وكأنه شق عن صدورهم وقلوبهم وقد نهى الله عن ذلك في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" (الحجرات:12)، ونهاهم النبي أيضًا في قوله "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".

 

خسر أيضًا من احتقر إخوانه واستهزأ بهم وغمزهم ولمزهم والله يناديه بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ" (الحجرات من الآية 11)، وسوف يعاقبهم الله  من جنس عملهم فيهزأ بهم في القيامة كما استهزءوا بعباده في الدنيا، وصدق رسول الله: "بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، خسر أيضًا من أطلق للسانه العنان في اغتياب إخوانه ناسيًا خطر ذلك عليه في قول الله تعالى: " وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا" (الحجرات من الآية 12)، وناسيًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

 

فليسأل كل منا نفسه هل أنا من الرابحين في هذه الجولة أم من الخاسرين وليتدارك الخاسرون أنفسهم قبل فوات الأوان وانقضاء الأجل؛ وذلك بتوبة صادقة يتبعها تصويب وتصحيح لمسيرتهم الماضية.

 

أيها الإخوة الكرام إننا الآن أمام معركة فاصلة واضحة المعالم ظاهرة التوجهات فجولة الإعادة– كما تعلمون- بين طرفين أحدهما يعلنها صريحة أن مرجعيته الإسلام وأن وعده معنا تطبيق شرع الله وإنصاف المظلوم والقصاص من الظالم؛ وذلك من خلال مشروعٍ نهضويٍ كبير، والطرف الآخر هو واحد ممن شاركوا في النظام البائد وأشرف على "موقعة الجمل" التي راح ضحيتها مئات الضحايا من المصريين وكان يومها رئيسًا للوزراء، ولا دخل له بالإسلام وشرعه ومنهج نبيه، فالخيار الآن بين رجل يمثل الثورة وآخر من أعدائها وممن حاولوا إجهاضها، فلمن ستنحاز أخي الكريم؟

 

إنها أمانة ثقيلة وتبعة جسيمة نحملها الآن في أعناقنا من أجل ديننا ووطننا وأمتنا وأبنائنا وأحفادنا فلنتق الله تعالى في الاختيار ولا خيار لنا ولا عذر إن تقاعسنا عن دعم مرشح الثورة وأحد رموزها، ولنسمع إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، وقد سئل: متى تقوم الساعة؟ فقال "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: وكيف إضاعتها يا رسول الله، قال:"إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة".

 

فالمنافس الآن واحد من زبانية النظام السابق وما أوصله إلى المنافسة معنا سوى الاستقطاب الطائفي ثم الرشى الانتخابية التي كانت سمة النظام السابق، فأنتم الأمل أيها الإخوة الكرام، فهل أنتم قائمون بها؟ صابرون عليها مضحون من أجلها؟ جعلكم الله كذلك وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال وجعلنا من الرابحين في الدنيا والآخرة.

----------------------

* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين