الرجال مواقف، والمواقف تُظهر معادن الرجال، ولقد أثلج صدور المصريين المحبين لوطنهم تلك التصريحات الرائعة التي صدرت عن كثيرٍ من الوطنيين الذين شاركوا مع جموع الشعب في ثورة 25 يناير المجيدة، والذين أعلنوا- انطلاقًا من المبادئ الوطنية والأخلاقية- تأييدهم ودعمهم الكامل للدكتور محمد مرسي دون قيد أو شرط أو صفقات، وأعلنوا أيضًا أنهم في اليوم التالي مباشرةً سيقفون في صفوف المعارضة ليرفعوا المطالب الثورية، ويضغطون على الرئيس الجديد حتى تنفيذها.
لكن ما أحزنني أن قلةً قليلة ممن يحسبهم الناس ثوارًا لكثرة ظهورهم في الفضائيات، عبروا عن صدمتهم، وأخذوا يتباكون على نتيجة الجولة الأولى، وأعمتهم البغضاء والحسد فصاروا لا يُفرِّقون بين الجلاد والضحية، وساووا بين الدكتور محمد مرسي الذي لا يعدوا الخلاف بينهم وبينه كونه سياسيًّا، وبين شفيق الذي بينه وبين المصريين دماء الشهداء، وتنوَّعت تصريحاتهم بين انتهازية سياسية تطالب بالتعيين في مناصب معينة مقابل إعطاء الأصوات لمرشح الإخوان، أو الامتناع عن التصويت، بل ووصلت الجرأة بأن يعلن بعضهم دعم صديق المخلوع بلا خجل.
والعجيب في الأمر أن بعض مَن آزرهم الإخوان في عزِّ سطوة المخلوع وأمن دولته، بل واعتقلوا دفاعًا عنهم، يُصرِّح بأنه لن يختار أيَّا من مرسي أو شفيق، ويتحجج بأن ضميره لا يسمح له بذلك، ولا يكتفي برفض الجلوس للتفاهم مع الإخوان الذين يمدون أيديهم للجميع، بل ويحاول إلصاق كل نقيصةٍ بهم، وكأنهم قد سرقوا أو قتلوا أو أفسدوا في الأرض كما فعل المخلوع وحاشيته.
لقد كنا بحاجةٍ لتمايز الصفوف، ووضوح المواقف، ليدرك الشباب الوطني بحق في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ مصر، بأن هناك فرقًا شاسعًا وبونًا واسعًا بين ضمير هؤلاء وبين ضمير الإخوان المسلمين الذين يخلصون لله ويعملون للوطن مع كل مصري دون طلب أو انتظار أية ضمانات مكتوبة أو غير مكتوبة.
ضمير الإخوان المسلمين جعلهم يعطون أصواتهم ويدعمون أيمن نور في انتخابات الرئاسة 2005م دون شروط أو ضمانات، ليحصل على المركز الثاني بعد مبارك.
ضمير الإخوان المسلمين جعلهم يعطون أصواتهم ويدعمون حمدين صباحي في انتخابات مجلس الشعب 2005م، وعمل شبابهم كمندوبين له في اللجان وتعرَّضُوا للضرب من البلطجية وهم يحاولون منع التزوير ضده.
ضمير الإخوان المسلمين دفعهم للتظاهر دفاعًا عن استقلال القضاء عندما أُحيل القاضيان هشام البسطويسي وأحمد مكي للتحقيق، وقُبض على 2000 منهم، وسُجن بعضهم حوالي 6 أشهر، ومن هؤلاء الكرام د. حسن البرنس ود. محمد مرسي المرشح للرئاسة.
ضمير الإخوان المسلمين جعلهم يحملون معهم 10 أحزاب في التحالف الديمقراطي إلى مجلس الشعب ويتقاسمون معهم اللجان، ثم إذا ببعضهم يقلبون للإخوان ظهر المجن، ويسلقونهم بألسنةٍ حداد.
وإن ضمير جميع الشرفاء في مصر لا يسمح لهم بخيانة الوطن، فالامتناع عن دعم انتخاب الدكتور محمد مرسي المرشح الوحيد المتبقي من مرشحي الثورة، يعني بالضرورة الموافقة الضمنية على إعادة القتلة واللصوص والمفسدين ومعهم الصهاينة ليسوموا المصريين سوء العذاب مرةً أخرى.