لقد كان هدف الإسلام الأعظ وغايته الكبرى أن يحرر أتباعه من أغلال العبودية ويكسر عنهم قيد المهانة ويمنحهم إحساسًا عميقًا بكيانهم ويشعرهم بإنسانيتهم لأنهم قد ارتبطوا بالله العلي الكبير واستندوا إلى حماه واستمدوا من فيض جوده وسناه فرؤوسهم مرفوعة وقلوبهم ثابتة مرهوبة وكتبت على جباههم معاني الشرف والعزة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: من الآية 8).
وكلما زاد الإسلام في القلوب وتمكنت تعاليمه في النفوس وأصبحت حقيقة في دنيا الناس كلما بلغت العزة إلى ذراها والشرف إلى منتهاه ذلك أن الإسلام والعزة قرينان والمعصية والذلة أيضًا توأمان فلا تنال العزة إلا في ظل الإسلام ولا تفتقد إلا في غيره وصدق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- عندما قال كلمته التي صارت مثلاً وأصبحت قانونًا: "إن الله أعزنا بالإسلام فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".
لقد اعتز الكفار بشركهم وعبادتهم لأوثانهم وتباهوا بأصنامهم قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)) (مريم)،
فرد الله تعالى عليهم بأن ما ظنوه سببًا للمجد والشرف وسبيلاً للغلبة والقوة سيكون عليهم وبالاً وخسرانًا وذلةً وضياعًا فقال: (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)) (مريم).
وهؤلاء السحرة الذين جاءوا للشهرة الزائفة والمجد الموهوم ظنوا أن حماية فرعون لهم سيمنحهم القوة وسيضمن لهم الفوز على موسى وربه ولكن هيهات (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)) (الشعراء).
ولقد اعتقد بعض الناس أن غلبة الكافرين وعلوهم وامتداد سلطانهم سيجلب لهم العز والشرف فلجئوا إليهم وارتموا في أحضانهم قال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.....) (النساء)، فقد أنكر الله تعالى عليهم سلوكهم المشين ووبخهم على ضعفهم وهوانهم وأعلمهم أن الكفار ليسوا أهلا لكرامته فقال: (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) (النساء: من الآية 139).
ونهانا ربنا أن نميل إلى أهل الكفر والظلم والفساد فقال تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إلى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113)) (هود).
فإن ركنت إليهم طلبًا للعزة فقد خاب ظنك وضل سعيك وكنت كالمستجير بالنار من الرمضاء وقد يفتخر البعض بآبائهم وأجدادهم الذين ماتوا على الكفر ويعتزون بالانتساب إليهم فهذا نقص في الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وطعن صريح في حب الإسلام والانتماء إليه وخلل في البراءة من الكفر وأهله، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ريحانة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًّا وفخرًا فهو عاشرهم في النار".
والعزة التي زرعها الإسلام في القلوب وملأ بها جوانب الكيان الإنساني لا بد أن تطفح على هيئته وترسم ملامحها على جبينه فيظهر المسلم شامخ النفس مرفوع الرأس يعلوه هيبة وجلال عن الحارث بن عمر النهدى قال: مر رجل على عمر بن الخطاب وقد تخشع وتذلل، فقال: "ألست مسلمًا قال: بلى: قال: فارفع رأسك، وامدد عنقك، فإن الإسلام عزيز منيع" (كنز العمال 8822).
أسباب العزة:
وإذا كان الله تعالى قد أمرنا بالاعتزاز بالإيمان والفخر به وطالبنا أن نملأ أرواحنا بالشعور بالقوة والمنعة والحماية فإنه تعالى يسر لنا أسباب ذلك منها:
1- العقيدة في الله تعالى فقد علمتنا أن الآجال يمسكها الله وحده ويقدرها بذاته فليس من سلطان أحد مهما علا كعبه وامتد ملكه وكثر ماله وأوتي من كل شيء سببًا أن يزيد في عمرك لحظة ويمنحك حياة فوق حياتك أو يعجل بموتك (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) (الرعد: من الآية 38).
وقال أيضًا: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)) (الأعراف).
كما علمتنا أن الرزق مكفول بعناية الله تعالى أنه فهو إن يسره لك فلن يمنعه عنك أحد وإن أمسكه فلا شيء يسوقه إليك تدبر معي قوله تعالى (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)) (الملك).
وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا ترضين أحدًا بسخط الله ولا تحمدن أحدًا على فضل الله ولا تذمن أحدًا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره وإن الله تعالى بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في السخط" (المعجم الكبير: ج10/ص215 ح10514).
وهو لا يعني جحود الصنيع وازدراء الفضل ولكن معناه: أن لا يستعبد المرء منة أحد حتى لا تداس كرامته.
وقد علمنا الإسلام أن فقرنا وضعفنا لا يكون سببًا لإراقة ماء الوجه وإظهار الذلة والانكسار أمام من بيده الفصل في أمورنا وقضاء مصالحنا فأمرنا أن تبقى جباهنا عالية وهاماتنا مرفوعة ونحن نطلب حقنا وقضاء ما تعسر من أمرنا لأن الأمر بيد الكريم المتعال قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أطلبوا الحوائج بعزة نفس فإن الأمور تجري بمقادير".
وعلى المسلم أن يرد مصاير الأمور إلى مدبرها الأعظم وليملك نفسه فلا يعطي فرصة لأحمق كيما يستعلي ويستكبر فإن قرارًا ما لن يتم إلا إذا أمضاه الله تعالى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)) (فاطر).
وعلى المسلم إذا أغلقت الأبواب في وجهه ويئس مما في أيدي الناس أن يظل أبيًا كريمًا لا تنكسر نفسه ولا يطأطأ رأسه بل عليه أن يجأر إلى مولاه بالدعاء ويظهر فقره وضعفه إلى سيده قال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)) (يونس).
وهذه العقيدة في الآجال والأرزاق تمنحك الشجاعة وتزرع في قلبك رباطة الجأش وتنزع منه الخوف والجبن فتقف شهمًا كريمًا وتثبت في مكانك حرًّا عزيزًا لا تنحني ولا تلين لنيل مما في أيدي الناس فإن الموت مقدر محتوم فليأتك وأنت مرفوع الرأس عظيم الجناب.
2- طاعة الله تعالى والالتزام بأمره فإنه لا عز إلا في طاعته ولا ذل إلا في معصيته فإن ارتكاب الذنوب والتلطخ بالمعاصي والغرق في بحر الشهوات سبيل الإهانة والسقوط قال اله تعالى: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) (الحج: من الآية 18)، (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)) (يونس).
عن جبير بن نفير قال لما فتحت قبرص وفرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي فقلت يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله قال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله عز وجل فصاروا إلى ما ترى.
ولا يغتر أحد بما يراه من ظاهر أهل المعصية من الطعام والثياب الغالية والمركب الوثير الأنيق والمنازل العالية فليس هذا برهانًا على كرامة أصحابها وإباء وعزة نفوسها إنما هم في الحقيقة عباد لها خدم عندها.
فإنه لما رأى الحسن البصري موكب ابن هبيرة وقد لبس الحرير وسار حوله الغلمان قال: "إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه".
وقال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب... وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب... وخير لنفسك عصيانها
وكان من دعائه- صلى الله عليه وسلم- "فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت".
3- فرض الإسلام على من آمن به أن لا يرض بالظلم ولا يسكن للجور وأن يثور لنيل حقه وإن أريقت في سبيل ذلك دماء. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" أخرجه الترمذي برقم (1485) والنسائي في سننه. برقم (4112) وأحمد في مسنده برقم (1674) وهو حديث صحيح.
فمن العزة أن لا تكون مستباح المال والعرض والأرض لكل طامح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي، قَالَ: "فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي، قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي، قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ، قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ" رواه مسلم في كتاب الإيمان 1/124 ح140.
وقد شرع الله تعالى الجهاد في سبيله لتظل قامة الأمة مرفوعة مهابة الجانب مرهوبة المقام عصية على الاحتواء لذا جاء في وصف المؤمنين أنهم ينتفضون على كل ظالم ويردون كل باغٍ ويأخذون حقهم بدمائهم ويثأرون لشرفهم وعرضهم قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39)) (الشورى).
والأمة إذا رضيت بالخسف واستكانت للعسف واستسلمت للضعف خوفًا على المصالح المحدودة والمنافع العاجلة فإنها أمة قد فتحت على نفسها أوسع أبواب الذل والضيم وهي لا تستحق أن تكون في عداد الأمم الكريمة الناهضة قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه أبو داود في "سننه".
4- فرض الإسلام على معتنقيه أن يتحولوا عن بلد تهان فيه كرامتهم وتسحق إنسانيتهم وتسلب حريتهم واعتبر إقامة الإنسان في محلة يستضعف فيها ظلمًا لنفسه وتعديًا على كرامتها فإن الله تعالى خلق الناس أحرارًا ويريد أن يظلوا كذلك قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97)) (النساء).
وإنما كان هذا المصير المؤلم والنهاية التعيسة لألئك القابعين في الذل لأن أحكام الإسلام ومبادئه لا يقوم بها المسلم إلا في جو الحرية وفضاء الكرامة الإنسانية.
5- الاستغناء عما في أيدي الناس مهما كانت الحاجة ملحة وعدم مد الأيدي طلبًا للعون فقد كان من دعائه- صلى الله عليه وسلم- الذي يلح به على مولاه: "اللهم إنا نسألك الغنى عن الناس" وهذا المنهج هو ما ربى عليه أصحابه فقد بايعهم على أن لا يسألوا الناس شيئًا، وكان الواحد منهم يسقط سوطُه فلا يسألُ أحدًا أن يناوله، بل ينزل من على فرسه ويأخذه.
وبهذا يعتق الإنسان نفسه من أسر قضاء مصالح الناس له كما حرم الإسلام أن يستدين المسلم ليحقق مزيدًا من الرفاهية وقدرًا من المتعة والترف ومما يدل على خطورة الدين على صاحبه وأنه سببًا في قهره وكسر أنفته ما أخرجه الطيالسي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم سأل "هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم. قال: هل ترك وفاء لدينه؟ فإن قالوا: نعم. صلى عليه، وإن قالوا: لا. قال: صلوا على صاحبكم".
صاحب الدين قد حرم نفسه من خير عظيم ورحمة كبيرة حرمها من صلاة النبي التي هي سكن للمؤمنين.
ومع علو الشهادة وسمو قدرها إلا أن الدين يمنع صاحبها أن ينال الأجر كاملاً وأن تبقى صفحته البيضاء ملطخة بإثم أخذ أموال الناس بغير ضرورة وأن يظل رهينًا بما في ذمته ففي الصحيح: "يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْنَ" مسلم 3/1502 (كتاب الإمارة، باب من قُتل في سبيل الله..)؛ المسند (ط. المعارف) 12/13.
وهذا السلوك الذي رفضه الإسلام لأفراد الأمة وطالبهم بالاعتماد على أنفسهم والصبر على لأواء الحياة هو ما يجب أن تكون عليه الحكومات الإسلامية التي تريد أن تتحرر من إملاءات أعدائها وأن تملك قرارها وإرادتها فلا يجوز شرعًا ولا عقلاً أن تسلم الأمة رقبتها لليهود والنصارى وتستجدي الإعانات لصرفها على بذخ الحكام وسفههم وبناء ملاهٍ وقصور ومنتجعات وإنتاج أفلام ومسلسلات إن هذا يعتبر خيانة عظمى للوطن وبيع لسيادته بالمجان واسترقاق أجيال متلاحقة لا جرم لها إلا أنها من أبناء هذا الوطن ونهب منظم وسرقة مقننة للثروات والموارد التي هي حق للجميع فالأصل في الحكومات الوطنية الرشيدة أن تعمل لتقليل العجز المالي وزيادة الدخل وارتفاع معدل النمو وأن تكون سندًا لمن تعثر حاله ووقع في أسر الدين، فقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- قبل أن تفتح عليه الدنيا كان يشجع الأغنياء على كفالة من مات وعليه دين، فلما فتح الله عليه الفتوح وأتته الدنيا راغمة جعل من مهامه كرئيس للدولة سد الدين عن المديونين حتى يلقى المسلم ربه وذمته خالية وصفحته بيضاء لذا قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك دينًا فإليّ، ومن ترك مالاً فللوارث".
وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. فأيما رجل مات وترك دينًا فإليّ، ومن ترك مالاً فهو لورثته".
نماذج من العزة:
1- في غزوة الخندق عندما اجتمعت الأحزاب على قتال المسلمين, وحُوصر المسلمون في المدينة, وأصبحوا بين فكّي كمّاشةٍ: المشركون من الخارج, واليهود الغادرين من الداخل: "أرسل رسول الله إلى عيينة بن حصن بن حذيفة, والحارث بن عوف بن أبي حارثة, رئيسيّ غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، وجرت المراوضة [المساومة] في ذلك, ولم يتمّ الأمر. فذكر رسول الله لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة, فقالا: يا رسول الله أشيءٌ أمرك الله به فلا بدّ لنا منه؟ أم شيءٌ تحبّه فنصنعه؟ أم شيءٌ تصنعه لنا؟
قال: بل شيءٌ أصنعه لكم, والله ما أصنع ذلك إلاّ أنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدةٍ.
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله, قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان, وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلاّ قِرى أو بيعًا, فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟!, والله لا نعطيهم إلاّ السيف. فصوّب رسول الله رأيه"
فبالرغم من كلّ الضغوط, وبالرغم من قلّة المسلمين وقلّة عددهم, وقلّة سلاحهم وكثرة أعدائهم, رفضوا الاستسلام, ورفضوا أيّ شيءٍ يمسّ كرامتهم وعزّتهم, لأنّهم كانوا يشعرون بالعزّة, لذلك فهم لا يفرّطون بها, واختاروا إمّا النصر أو الشهادة. وهذا هو الفرق بين من يملك العزّة ومن يفقدها فالأوّل يستهين بالموت في سبيل عزّته حتّى ولو كان لا يملك شيئًا من لوازم الدفاع. أما الآخر فإنّه يخنع ويذلّ، حتّى ولو ملك كلّ ما يحتاج إليه للدفاع عن نفسه.
وهذا ما حصل مع الخليفة المستعصم عندما دخل هولاكو بغداد، فقد سلّم لهولاكو حوضًا مملوءًا بالذّهب، وكان كلّه من سبائك تزن الواحدة مائة مثقالٍ، ويُقال إنّ المغول قد قتلوا في بغداد أكثر من ثمانمائة ألف، فلو أنّ هذا المال، وهذا العدد من الرجال، قد استخدم في مواجهة المغول لما حصلت المأساة، ولما تجرّأ المغول على الاقتراب من بغداد.
وما أشبه اليوم بالأمس، فالأمّة الإسلاميّة فيها الثروات الكثيرة، والعدد الهائل من السكان، ولكنّهم منهزمون أمام دولةٍ صغيرةٍ، هي إسرائيل. مثلاً, جاء في جريدة المحرر ما يلي: "يعتقد محلّلون اقتصاديون إنكليز وأمريكيون، أنّه إذا كان هناك خمسة زعماء عرب فقط، يمتلكون شخصيًّا 92 مليار دولار، وهو مبلغٌ مقاربٌ لما يمتلكه مئات الأثرياء اليهود، الّذين يشكّلون جزءًا من اللوبي الصهيوني الاقتصادي في العالم فلو أنّ هذا المال، وهذا العدد من الرجال، اُستخدم لتحرير الأرض وطرد الغزاة، لما كان هناك دولةٌ تُسمّى إسرائيل في العالم.
2- في معركة القادسية: "أرسل سعدٌ ربعيّ بن عامر، فسار إليهم، فبحسوه على القنطرة، وأُعلم رستم بمجيئه، فأظهر زينته، وجلس على سريرٍ من ذهب، وبسط البسط والنمارق، والوسائد المنسوجة بالذّهب. وأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقه، ورمحه مشدود بعصبٍ فلما انتهى إلى البسط, قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها ونزل، وربطها بوسادتين شقّهما, وأدخل الحبل فيهما, فلم ينهوه, وأروه التهاون, وعليه درعٌ، وأخذ عباءة بعيره فتدرّعها, وشدّها على وسطه.
فقالوا: ضع سلاحك.
فقال: لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني.
فأخبروا رستم, فقال: ائذنوا له.
فأقبل يتوكّأ على رمحه، ويقارب خطوه، فلم يدع لهم نمرقًا ولا بساطًا إلا أفسده وهتكه.
فلمّا دنا من رستم، جلس على الأرض، وركز رمحه على البسط. فقيل له: ما حملك على هذا؟.
قال: إنا لا نستحبّ القعود على زينتكم.
فقال له ترجمان رستم: ما جاء بكم؟.
قال: الله جاء بنا, وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيّا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فأرسلنا بدينه إلى خلقه, فمن قبله قبلنا منه, ورجعنا عنه, وتركناه وأرضه دوننا, ومن أبى قاتلناه, حتّى نفضي إلى الجنّة أو الظفر"
هذا هو المسلم العزيز, الّذي لا تغويه زخارف الدنيّا الفانية, فلا يقبل أن يذلّ من أجلها, ولا يضعها في حسابه.
هذا هو المسلم الّذي لا يخشى أحدًا إلاّ الله, ولا يخضع إلاّ لله, فينطلق بعزّته رافع الرأس, شامخ العزيمة, عالي الهمّة, يقاتل في سبيل الله, وينشر رسالة الإسلام إلى كلّ بقاع العالم. فهل نعي الدرس, ونعود إلى عزّتنا وديننا؟
3- رحم الله تعالى شهيد القرآن سيد قطب الذي اعتزَّ بإيمانه، فصدع بكلمة الحق بلا استحياء ولا خجل، فحكم عليه بالقتل، وطلبوا منه أن يقدم استرحامًا حتى يخفف عنه الحكم، ولكنه أبى- رحمه الله- وقال قولته الشهيرة: إن كنت حوكمت بحق فأنا أرضى بالحق، وإن كنت حوكمت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل، إن إصبعي السبابة التي تشهد لله بالوحدانية مرات في اليوم لترفض أن تكتب كلمة واحدة تقر بها حكم طاغية. ماذا كان سيفعل سيد لولا الإيمان؟ يا للعزة! ويا للثبات!.
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).